الفرق الكلامية في الغرب الإسلامي

دخول المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي
دخول المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي

«تختلف آراء الباحثين في من كان أول من أدخل مبادئ المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي، إلا أنها جميعها تكاد تجمع على أن هذا الدخول كان في القرن الرابع الهجري، ومنها ما يزعم أنه كان في حياة أبي الحسن الأشعري(ت324هـ). فهناك أسماء اشتهرت في القرن الرابع الهجري، وشهر عنها احتكاكها بأشهر تلاميذ الأشعري في المشرق، وبهذا الصدد يبرز اسم مفكر من الغرب الإسلامي ارتبط اسمه بالعقيدة الأشعرية ويتعلق الأمر بالمفكر التونسي إبراهيم بن عبد الله الزبيدي أو الزبيري الشهير بالقلانسي(ت359هـ)..
أما الشخص الثاني فهو أبو ميمونة درَّاس بن إسماعيل الفاسي(ت357هـ) دفين فاس، الذي شهر عنه أنه رحل إلى المشرق مبكرا، واحتك ببعض أقطاب الفكر الأشعري هناك، وألف رسالة في الدفاع عنهم.
وهناك أسماء أخرى ورد ذكرها في هذا السياق وتمت الإشارة إليها من طرف بعض الباحثين باعتبارها شخصيات أشعرية لمجرد أنها التقت في المشرق بمن كان وقتها إماما في هذا المذهب فجاء تصنيفها مع أوائل من أدخل هذا المذهب إلى الغرب الإسلامي..
على أن الشخصية التي وقع عليها الإجماع من طرف الباحثين في كونها أول من تولى نقل المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي هي شخصية أبي الحسن القابسي(ت403هـ) ..[و] الحقيقة أن أبا الحسن القابسي كان قد خرج من الأندلس في اتجاه المشرق طلبا للعلم سنة(353هـ)، فالتقى هناك بأشاعرة أثَّروا فيه تأثيرا واضحا، عكَسه في دفاعه عن مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري، معتبرا إياه«واحدا من جملة القائمين بنصرة الحق، ما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبته ذلك، ولا من يؤثر عليه في عصره».[1]
ويبدو أنه بمجرد عودته إلى بلده الأندلس عام(357هـ) انهمك في نشر هذا المذهب ودعوة الناس لاعتناقه والتمسك به، ونظرا لأنه لم تصلنا من مؤلفات أبي الحسن القابسي إلا رسالة واحدة هي"رسالة المفصّلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين"وهي رسالة تربوية تعمل على تحليل وضعية المعلمين والمتعلمين، وشروط عملهم، وأحكامهم الشرعية، فقد وصلتنا عناوين بعض مؤلفاته التي يبدو من خلالها أن لصاحبنا اهتماما بأمور العقيدة، وسيرا في نهجها، واقترابا إلى ما كان يؤكد عليه مذهب الأشاعرة.
وأيا ما كان الأمر فإن القابسي اعتبر من طرف باحثين محنكين، ومطلعين أفذاذ، من أوائل من حمل معه معالم المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي، بل إنه اعتبر أول من فعل ذلك،
ويكفيه فضلا أنه ترك جيلا من التلاميذ، كان من بينهم من عمل على نشر مبادئ الأشعرية وتكريسها في أوساط الثقافة العقدية في الغرب الإسلامي، ونذكر تلميذا له حظي بالاكتراع من أفكاره وتصوراته ويتعلق الأمر بأبي عمران الفاسي.[2]
أجل فبعد القابسي سيظهر مفكرون آخرون سيعملون على نشر المذهب العقدي الجديد، فقد كان مجموعة من كبار المفكرين بالأندلس والمغرب، وتونس يتجهون في بداية حياتهم العلمية إلى المشرق فيتلقون دراستهم الفقهية، والعقدية على كبار الأشاعرة هناك، وعند عودتهم إلى بلدانهم يعودون مقتنعين أشد ما يكون الاقتناع بهذا المذهب وبضرورة نشره وتعميمه بين الناس.
ويظهر في هذه الفترة دور الإمام أبي بكر الباقلاني(ت403هـ) الذي توفي في نفس السنة التي توفي فيها القابسي، فلقد قام هذا الإمام بدور كبير في عملية نشر المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، وقد تمثل دوره في شيئين:
1- كونه كان إماما مدرسا للفقه المالكي وأصوله، كما كانت له الريادة في علم الكلام الأشعري، ونظرا لأنه كان مالكي الفقه فقد كان المغاربة يقصدونه لأخذ الفقه عليه، وكذا أصوله، فكان يمد تلامذته وكل من يقصده بأفكاره ومعتقداته الأشعرية. وهناك أسماء متعددة لمفكرين من الغرب الإسلامي تتلمذوا عليه منهم من تأثر بأشعريته ومنهم من لم يفعل.
2- أن الباقلاني كان قد نهض بعملية نشر المذهب الأشعري في سائر أقطار العالم الإسلامي، حيث نجده بعث بتلاميذه إلى كل من خراسان والعراق والمغرب لهذا الغرض، وكان من بين من وصل منهم إلى الغرب الإسلامي شخصان نزلا بالقيروان، وهي يومها مدينة تعج بالمفكرين والفقهاء، ويتعلق الأمر بأبي عبد الله الأذري أو الأزدي، وأبي طاهر البغدادي اللذين توفيا بالقيروان[3].
والنصوص تضنُّ علينا بالدور الذي قام به هذان التلميذان المباشران للباقلاني في نشر هذا المذهب في الغرب الإسلامي عموما، إلا أن المؤكد هو أنه في هذه الفترة بالضبط سيعرف هذا القطر ظهور مجموعة كبيرة من المفكرين المشهورين قاموا بعملية نشر هذا المذهب في أوساط المثقفين... ويتعلق الأمر بأبي عمر الطلمنكي(ت429هـ) وأبي عمران الفاسي(ت430هـ) وأبي الوليد الباجي(ت474هـ) وبعض من جاء بعدهم مباشرة..[ويتعلق الأمر هنا بكل من] أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي(ت489هـ) صاحب كتاب"الإشارة إلى أدب الإمارة".. بالإضافة[إلى] تلميذه المباشر الذي اختص به ولازمه، وخلفه في علوم الاعتقادات-كما يؤكد على ذلك صاحب التشوف- هو أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير(ت520هـ) كان أشعري العقيدة بلا جدال ولا مماراة..
وفي الأخير فإن ما يمكننا التأكيد عليه أكثر هو أن المذهب الأشعري عرف في هذه المرحلة بالغرب الإسلامي طابعا فرديا يمثله أفراد عادوا من المشرق وقد احتكوا بممثلي هذا المذهب هناك، فيعملون على نشره بين أفراد آخرين تجمعهم بهم علاقات تعليمية وثقافية، فلم يقو على الظهور بمظهر جماعي، فظل هذا المذهب إلى حين ظهور الدولة الموحدية مذهب نخبة عالمة، تسعى من جانبها إلى نشره بين الناس، لكن مع قيام الدولة الموحدية سيعرف المذهب تغلغله وتفشيه الأكبر، لأنه مثَّل بالنسبة لها الشعار الإيديولوجي البديل، بحيث سيصبح المذهب الرسمي لهذه الدولة الجديدة ولباقي الدول التي ستتعاقب على الحكم في الغرب الإسلامي.

 

[تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي-تأليف الأستاذ يوسف احنانة-

منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية/2003-

من صفحة: 51 إلى صفحة:75]



الهوامش:


[1] تبيين كذب المفتري لابن عساكر-دار الفكر/دمشق/1399-ص:123
[2] الديباج المذهب لابن فرحون-دار الكتب العلمية/بيروت(د.ت)- ص:201
[3]تبيين كذب المفتري  ص:120-121

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تأصيل الفرق الكلامية برأي ابن خلدون

تأصيل الفرق الكلامية برأي ابن خلدون

تحدث ابن خلدون في الفصل العاشر من مقدمته عن علم الكلام معتبرا أنه: (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد).ثم بدأ بعد ذلك ببسط أدلة التوحيد كما عرضها السلف منذ بزوغ فجر الإسلام وكيف أخذها هؤلاء خلفا عن سلف حتى نشأ الخلاف الكلامي بين الفرق الكلامية باختلاف أنواعها.

 

تحدث ابن خلدون في الفصل العاشر من مقدمته[1] عن علم الكلام معتبرا أنه: 
(علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد).
ثم بدأ بعد ذلك ببسط أدلة التوحيد كما عرضها السلف منذ بزوغ فجر الإسلام وكيف أخذها هؤلاء خلفا عن سلف حتى نشأ الخلاف الكلامي بين الفرق الكلامية باختلاف أنواعها

المرجئة ببلاد المغرب والأندلس

المرجئة ببلاد المغرب والأندلس

قبل البدء لابد أن نبيّن أن الكتب التي اعتنت بالتأليف في هذه الفرقة -إفرادا أو ضمن مباحث كتب الفِرَق- قليلة جدا، كما أن المعلومات عنها تكاد تتكرر وتتشابه، مقارنة مع غيرها من الفِرق التي غيرت بشكل كبير ملامح الخريطة العقدية لقرون عدة للعالم الإسلامي مِن شرقه إلى غربه، ولهذا سنحاول في هذه الأسطر أن نتناول التعريف بفرقة المرجئة -حسب ما تيسر لنا من مصادر ومراجع ـ، ودخولها إلى المغرب والأندلس، ومقاومة العلماء لها، مع شيء من التركيز دون إخلال ولا إملال، وبالله نستعين؛

العبيديون الفاطميون بالمغرب

العبيديون الفاطميون بالمغرب

يذهب المؤرخون الذين اهتموا بتتبع أطوار نشأة الدولة العبيدية الفاطمية إلى القول بأن أصلهم يرجع إلى نَسب أبناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه زوج السيدة فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول عبد العزيز المجدوب:  «يرجع- أصل الفاطميين- إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وإمامهم هو عبد الله الذي تلقب بالمهدي على أنه المهدي المنتظر الذي دعا دولته بالدولة الفاطمية».