الفرق الكلامية الإسلامية

فرقة الزيدية
فرقة الزيدية

 

التعريف والنشأة:

يقول الدكتور كمال الدين نور الدين مرجوني:« إن الزيدية منسوبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي إحدى أكبر فرق الشيعة التي ما زالت باقية حتى اليوم، إذ تضم الشيعة ثلاث فرق رئيسية، وينص على ذلك الإمام أحمد بن يحيى المرتضى(ت840هـ) بقوله:«والشيعة ثلاث فرق: زيدية، وإمامية، وباطنية». وأشارت المصادر التاريخية وكتب الفرق إلى أن الزيدية ظهرت مع قيام الإمام زيد بن علي عليه السلام على ثورته ضد الأمويين..» [1]
وعن تاريخ نشأتها يقول سعد رستم:«الشيعة الزيدية: هم الذين تمسَّكوا بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(80-121هـ) الذي تتلمذ على واصل بن عطاء(أحد أئمة المعتزلة)، ثم خرج على الدولة الأموية في أيام هشام بن عبد الملك الذي عرف بالتجبر في الأرض والفسق والفجور، بعد أن بايعه أكثر من خمسة عشر ألفا من شيعة الكوفة.. وكان أمير الكوفة الأموي آنذاك يوسف بن عمر الثقفي، وكان زيد بن علي يُفضّل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله، ولكنه يتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر بالكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر، فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم:رفضتموني، فيقال: إنهم سُمُّوا الرافضة لقول زيد لهم رفضتموني، وهكذا لم يبق مع زيد إلا جماعة قليلة، جاهد فيهم ببسالة جند والي الكوفة يوسف بن عمر الثقفي فاستشهد(121هـ)، ودفنه بعض أنصاره في مكان سري ليلا، لكن أعداءه اكتشفوا قبره فنبشوه واستخرجوه وصلبوه عريانا على نخلة، وبقيت جثته مصلوبة مدة طويلة من الزمن..»[2]

التعريف بالإمام زيد وبمذهبه الفقهي:

يقول محمد أبو زهرة:« ولم يعرف ميلاد زيد على وجه اليقين، ولكن يظهر أنه ولد في حدود عام 80 للهجرة، لأن جل الروايات تذكر أنه قتل شهيدا عام 122هـ، وأجمعت الروايات على أنه كان يوم مقتله لا يتجاوز الثانية والأربعين.. وقد روى عن أبيه علم آل البيت، وإن كتاب المجموع الذي يشتمل على مجموع روايات الإمام زيد، فيه أحاديث كثيرة تنتهي إلى علي- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو تقف عند علي.. وقد مات أبوه عام 94هـ، أي وهو في الرابعة عشرة من عمره، فتلقى الرواية عن أخيه محمد الباقر الذي يكبره بسن تسمح له بأن يكون له أبا..وقد كان الباقر إماما في الفضل والعلم، أخذ عنه كثيرون ..»، ويضيف ابو زهرة حول نشأته وطلبه للعلم قائلا:« تلقى زيد إذن علم آل البيت وغيرهم من تلك الصفوة من علماء العلويين، وكان يتلقى من غيرهم من التابعين الذين كانوا يعقدون مجالس روايتهم وتخريجهم وإفتائهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا تخرج في البيت النبوي وترعرع في مهد العلم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم».[3]
وجاء عند الهادي بن إبراهيم الوزير قوله:«تلقى بقية العلوم من فقه وغيره عن أبيه وأخيه الأكبر محمد بعد موت أبيه ثم عن بقية علماء المدينة سواء كانوا من أهل البيت أو من غيرهم حتى قال عنه أخوه محمد الباقر بعد ما أخذ عنه العلم وعن علماء كثر فيما يروي عنه صاحب هداية الراغبين:«إن زيداً أعطي من العلم علينا بسطة»»[4]، و قيل أيضا:«لقد تعلم الفقه حتى سار من الفقهاء المشهورين، قال عنه أبو حنيفة النعمان:«شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً، ولا أبين قولاً، لقد كان والله منقطع النظير»»[5]
ويضيف أبو زهرة:« كان الإمام زيد أول إمام من آل البيت بعد مقتل الحسين-رضي الله عنه-، يخرج إلى الناس حاملا رأيا يدعو إليه، منتهجا لنفسه سبيلا في الدعوة.. فأبوه قد اتصل بالناس اتصال عون ورفق بضعفائهم مع علم الدين، وأخوه الأكبر الإمام محمد الباقر قد عكف في بيته على دراساته، أما زيد فقد خرج من المدينة إلى الأقطار الإسلامية حاملا آراء وعلما، فله آراء في السياسة خاض في بيانها، وله آراء في أصول الدين دافع عنها، وله فقه عظيم، وروايات فقهية كان جمعها تسجيلا لروايات آل البيت»[6] ويضيف كذلك:«..كان الإمام زيد فقيها ومحدثا، وعالما بقراءات القرآن الكريم، له منزلة بين العلماء والقراء، حتى أن المؤرخين وصفوا معركته التي كانت بينه وبين جند هشام: بأنها معركة المحدثين والقراء والفقهاء. وقد نقل فقهه وحديثه تلاميذه الذين تلقوا عليه، وكان من أكثر الفقهاء والمحدثين تلاميذ..فقد كان مقصدا لطلاب الفقه والحديث بالمدينة كما كان أبوه وأخوه من قبله، وقد تنقل في مدائن العراق والبصرة والكوفة وواسط، وكان حيث ما حلَّ يذاكر التلاميذ والعلماء والقراء»[7] .
وفي موضع آخر يقول:«وقد أثر عن زيد فقه عظيم تلقاه الزيدية في كل الأقاليم الإسلامية، وفرَّعوا عليه وخرَّجوا، واختاروا من غير ما تلقَّوا، واجتهدوا ومزجوا ذلك كله بالمأثور عن فقه الإمام زيد رضي الله عنه، وتكونت بذلك مجموعة فقهية لا نظير لها إلا في المذاهب التي دونت وفتح فيها باب التخريج وباب الاجتهاد على أصول المذهب، ولعله كان أوسع من سائر مذاهب الأمصار»[8]

فقهه وعقائده:

يقول أبو زهرة:« أثر عن الإمام زيد باسم المجموع كتابان هما: مجموع الحديث ومجموع الفقه، وقد جمعهما أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وما جمعه أبو خالد هذا هو المطبوع الآن، وقد وجدت مخطوطة له في روما..»و يضيف: « تكلم العلماء في رواية المجموع..في راويه وفي طريق روايته، وفي موافقته للمروي في المذهب الزيدي عن غير طريق أبي خالد، وفي موافقته للمروي عن الإمام علي كرم الله وجهه، وقد افترقوا فريقين: فريق طعن في الرواية وترتب على ذلك الشك في صدقها، وفريق تلقاه بالقبول ورد كل وجوه الطعن بما يدحضها..»[9]، و بعد ما أورد المؤلف أدلة الفريقين بإسهاب طويل، خلص إلى ذكر موضوع المجموع قائلا:« اتفق العلماء على أن المجموع الذي رواه أبو خالد الواسطي فيه الفقه وفيه الحديث فهو يشتمل على المجموعين الفقهي والحديثي، ولكنهما ليسا منفصلين، بل إن الباب الواحد يشتمل على الحديث والفقه، فهو يروي في باب الصلاة الآثار عن آل البيت، وترتفع أحيانا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانا تقف عند علي كرم الله وجهه، وفيها فقه الإمام زيد، وما استنبطه، وكذلك في باب الحج والصوم والزكاة وغيرها من الكفارات والمعاملات..»[10].
وعن فقهه يقول أحمد جلي:«أما في الفقه والأحكام، فمذهب الزيدية يعود إلى الإمام زيد، وما أثر عنه من آراء تضمنها كتاب(المجموع) المنسوب إليه، الذي تلقاه أكثر علماء الزيدية بالقبول، بينما طعن في صحته ونسبته إليه بعض الزيدية وكثيرون من غيرهم. وما أثر عن الإمام زيد من آراء لا تخرج في جملتها عن آراء الأئمة والفقهاء الذين عاصروه، ومستنده الأول فيها القرآن والسنة والاجتهاد، ثم جاء المجتهدون في المذهب من بعده، واستنبطوا من الفروع التي أثرت عنه، وعن غيره أصولا سميت بأصول الزيدية، أو أصول الفقه الزيدي. والزيدية في أصولهم يقررون ما يقرره الفقهاء والأصوليون، إذ إنهم يأخذون بالكتاب أولا، ثم بالسنة ثانيا، فإن لم يكن كتاب ولا سنة في المسألة يلجؤون إلى القياس، ويدخلون في القياس الاستحسان والمصالح المرسلة، ثم بعد ذلك يجيء العقل.»[11]
ويؤيد هذا الرأي محمد أبو زهرة بقوله:« ومنهاج الإمام في الاستنباط لا يبعد أيضا عن منهاج الأئمة الذين عاصروه كأبي حنيفة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعثمان البتي وابن شبرمة والزهري وغيرهم من أئمة الفقه والحديث الذين أظلتهم المدينة أو أظلهم العراق. فهو يأخذ بالكتاب والسنة، يَعتبر من السنة أقوال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- التي لم تكن بالرأي، وقد يخالف المروي عنه، فنجده قد خالف المروي عن الإمام علي-كرم الله وجهه- في أخذ الزكاة من أموال اليتامى.. فقد روي عن علي –كرم الله وجهه-أنه أفتى بأخذها، والإمام زيد لم يأخذها من اليتامى، وأنكر نسبة هذا إلى علي-رضي الله عنه-..وإن الزيدية يقررون من الأصول ما يقرره أكثر الفقهاء، فهم يأخذون بالكتاب أولا، ثم بالسنة ثانيا. ونصوص الكتاب مراتب، والسنة مراتب، ونصوصها مراتب، ويؤخرون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته، لأن الألفاظ دلالاتها على الأحكام الشرعية أوضح وأبين. فإن لم يكن كتاب ولا سنة يكون القياس ويدخلون في القياس الاستحسان والمصالح المرسلة، ثم بعد ذلك يجيء العقل، فما يقر العقل حُسنه يكون مطلوبا، وما يقر العقل قُبحه يكون منهيا عنه، وذلك إذا لم يوجد أي سبيل من سبل الاستدلال غيره.»[12]
أما عن آرائه العقدية فيقول محمد أبو زهرة:« كان زيد رضي الله عنه من علماء العقائد كما كان من رجال السياسة، وكانت آراؤه حول العقيدة جريئة نابعة من إيمان قوي بما يعتقد، كما كانت مواقفه السياسية مستندة إلى إيمان بالحق ووجوب نصرته، وفي عهده كانت الفرق الإسلامية قد نبت نبتها وقام سوقها، فخاض فيما كانت تخوض برأي ارتآه، وكان رأيه فيها وسطا معتدلا في الجملة كآرائه في السياسة، فما كان يتطرف تطرف بعض الفرق..»[13]، [وقد ذكر ابو زهرة أنه خاض في مسائل حول مرتكب الكبيرة وحكم بأنه بمنزلة بين الإيمان والكفر، وحول القدر والإيمان به واعتبار الإنسان فاعلا مختارا مسؤولا عما يفعل ومستحقا للثواب والعقاب، وفي نفي البداء، وقرر أن علم الله أزلي قديم وأن كل شيء بتقديره سبحانه، ودحض فكرة الرجعة، وأنكر المعجزة  للأئمة وأثبتها للأنبياء، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر أصلا من أصول الدين..][14]

المعتقدات:

يقول الدكتور كمال الدين نور الدين مرجوني:«اقتربت الزيدية من أهل السنة، لذهاب بعض فرقها-كالصالحية والبترية- إلى أن الإمامة تنعقد بالعقد والاختيار، وقالوا بصحة إمامة أبي بكر  وعمر رضي الله عنهما، لأن عليا سلَّم ذلك لهما، وسكت عن حقه بمنزلة رجل كان له حق فتركه, ولذلك نجد الزيدية أقرب فرق الشيعة وأعدلها إلى أهل السنة والجماعة، لا سيما في بداية ظهورها وعصر نشأتها، فإنها على ما كان عليه السلف الصالح من العمل بأحكام كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. ومن هنا فيمكن القول بأن الزيدية الأوائل أقرب إلى أهل السنة، وأما في تطوراتها الفكرية فقد تحول إلى [فكر] المعتزلة، وبهذا خالف الزيدية أهل السنة في أمرين:
أحدهما: نزعتها الاعتزالية تبعا لزيد بن علي رضي الله عنه، الذي كان قد أخذ عن واصل بن عطاء. ولعل لهذه النزعة الاعتزالية جعلت أتباع الإمام زيد إلى عصر الإمام صالح المقبلي(ت1108هـ) يتمسكون بمبادئ المعتزلة.
والثاني: الإمامة التي هي مدار اهتمام فرق الشيعة كلها، ومحور عقائدهم السياسية، وذلك أن أول بذرة وضعت في بناء الشيعة نظرية القول بأفضلية علي بن أبي طالب، والتمسك بولاية آل بيت الرسول الكريم، والانحياز إليهم في كل نازلة تنزل وفي كل خطب يلم ..»[15]
ويقول سعد رستم في معتقدات فرقة الزيدية: «ساق الزيدية الإمامة في أولاد فاطمة، ولم يُجوّزوا ثبوت الإمامة في غيرهم(كمحمد بن الحنفية مثلا)، إلا أنهم جوَّزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج للإمامة: إماما واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين، وبهذا يكونون قد خالفوا بقية الشيعة في نقطتين: الأولى اشتراطهم القيام، أي الثورة والخروج بالسيف لثبوت الإمامة، والثانية تجويزهم الإمامة في أولاد الحسن والحسين، في حين حصرها بقية الشيعة في أولاد الحسين فحسب»[16]
ويضيف أيضا:«ومن أهم ما تميَّز به الزيدية من غيرهم من الشيعة أيضا، تجويزهم خروج إمامين في قطرين متباعدين إذا تعذر وصول دعوة الأول إلى الثاني، فيكون هناك إمامان في نفس الوقت، لكنهم أئمة دعاة إلى الإمام الرضا منهم، فاذا انتصرت الدعوة واتسعت الرقعة، فإن الأمر يكون لأسبقهما إلى الدعوة، فإن لم يعرف أسبقهما كان لأكفأهما.. كما أنهم تميزوا من الإمامية والإسماعيلية برفضهم التقية، وإنكارهم العصمة والعلم اللدني للأئمة، وإنكارهم المهدية والرجعة، كما تميزوا بفقههم في الفقه والأحكام والمواريث الذي هو أقرب إلى مذاهب أهل السنة الفقهية، ومنفتح عليها وعلى كتب الحديث لدى أهل السنة. لذا، كان الشيعة الزيدية أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة.. أما من ناحية العقائد الإيمانية حول الإلهيات والصفات وخلق القرآن والعدل الإلهي وقضايا الجبر والاختيار وحكم مرتكب الكبيرة وغيرها التي وقع فيها الخلاف بين المسلمين.. فالزيدية معتزلة تماما، بل هناك من جعل طبقات المعتزلة طبقات الزيدية نفسها»[17].
بينما يقول القاضي إسماعيل الأكوع:« هي إحدى فرق الشيعة الثلاث: الزيدية والإثني عشرية والإسماعيلية، ولكن الزيدية أعدلها وأقربها إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأن الزيدية لا يعتقدون بما يعتقد الجعفرية،وكانت في بداية ظهورها على ما كان السلف الصالح خلا أنها خالفت أهل السنة في أمرين، الأمر الأول :نزعتها في العقيدة إلى  الاعتزال تبعا لزيد بن علي، الأمر الثاني:الإمامة التي هي مدار اهتمام الشيعة، فقد كان الإمام زيد بن علي يرى أن علياً أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر».[18]

شروط الإمامة عند الزيدية:

يقول أحمد جلي:«بالنسبة لقضية الإمامة يذهب الزيدية إلى أن الإمام الذي أوصى له النبي صلى الله عليه وسلم لم يعيّنه بالاسم، كما قالت الرافضة، بل عرَّفه بالوصف. وأن الأوصاف التي ذكرت لم تكتمل في أحد اكتمالها في (علي)، ومن ثم كان ينبغي أن يكون هو الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حدَّد الزيدية أوصاف الإمام بأن يكون هاشميا، ورعا، تقيا، عالما، سخيا، وأن يخرج داعيا لنفسه، واشترطوا بعد (علي) أن يكون فاطميا(أي من ذرية فاطمة رضي الله عنها) دون غيرهم سواء كان في أولاد الحسن أم الحسين»[19].
 ويضيف تعقيبا على ذلك:«وقد أنكر جمهور الزيدية ما ذهب إليه الروافض من القول بعصمة الأئمة، والرجعة، والتقية، وردُّوا ما استدلوا به من أحاديث وروايات في هذا الصدد، وأورَدوا عن أئمة أهل البيت من الروايات ما يعارض روايات الرافضة، كما أنكر جمهور الزيدية مزاعم الرافضة حول القرآن والسنة، وتجريحهم للصحابة رضوان الله عليهم والطعن فيهم»[20]

فرقها:

يقول الإمام أبو الحسن الأشعري:« والزيدية ست فرق: فمنهم الجارودية أصحاب أبي الجارود، وإنما سُمُّوا جارودية لأنهم قالوا بقول أبي الجارود: يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده، وأن الناس ضَلُّوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الحسن من بعد علي هو الإمام من بعد الحسن»[21].
ثم ذكر أن الجارودية افترقت فرقتين:
«فرقة زعمت أن عليا نص على إمامة الحسن، وأن الحسن نص على إمامة الحسين، ثم هي شورى في ولد الحسن وولد الحسين، فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربه وكان عالما فاضلا فهو الإمام.
وفرقة زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الحسن بعد علي وعلى الحسين بعد الحسن ليقوم واحد بعد واحد»[22].
 [ثم ذكر الفرقة الثانية وهي فرقة السليمانية أصحاب سليمان بن جرير الزيدي، ثم الثالثة وهي فرقة البترية أو الصالحية، أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النواء (الملقب بالأبتر)، وأنهم سمُّوا بالبترية لأن كثيراً هذا كان يلقب بالأبتر، ثم عدَّد منهم مجموعة من الفرق ذاكرا اختلافاتهم في المعتقدات][23].
 وأضاف الشهرستاني بعد ذكر فرقهم من الجارودية والسليمانية والصالحية والبترية قائلا:« وأكثرهم في زماننا مقلدون، لا يرجعون إلى رأي واجتهاد: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة: حذو القذة بالقذة، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت. وأما في الفروع فهم على مذهب أبي حنيفة، إلا في مسائل قليلة يوافقون فيها الشافعي رحمه الله والشيعة.»[24]
وذكر البغدادي منهم فرقا، فقال:« فأما الزيدية من الرافضة فمعظمها ثلاث فرق، وهي: الجارودية، والسليمانية-وقد يقال الجريرية أيضا- والبترية، وهذه الفرق الثلاث يجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه، وكان ذلك في زمن هشام بن عبد الملك»[25]، ثم ذكر فرق الجارودية والسليمانية والبترية و رجالاتها.

الانتشار:

يقول محمد أبو زهرة:« لقد انتشر المذهب الزيدي في بلاد كثيرة من بلاد الإسلام، وإذا استثنينا بلاد المغرب، فإننا نستطيع أن نقول إنه عم سائر البلاد الإسلامية، وكان أحيانا يظهر في ثوبه الحقيقي، وأحيانا يبدو في لباس مذهب آخر، حتى ليتوهم الناس أنهم من أهل ذلك المذهب. والسبب في ذلك الانتشار أن الإمام زيدا لما استشهد رحل تلاميذه إلى الأمصار المختلفة، فمنهم من ذهب إلى بلاد الديلم والجيل فارّين بآرائهم السياسية وتشجيعهم لآل البيت، ومنهم من فرَّ إلى بلاد الحجاز، ومنهم من ذهب إلى اليمن واستقر فيها، ومنهم من ذهب إلى اصبهان والري، وهم حيث حلُّوا نشروا ذلك المذهب الجليل ودعوا إليه وفرَّعوا في المأثور من آرائه الفقهية. وقد كان مع هذا السبب سبب آخر وهو أن الأئمة من آل البيت الذين حملوا أمانة ذلك المذهب واجتهدوا فيه تفرقوا هم أيضا في هذه الأقاليم، وكان لهم فيها أشياع وأتباع، وتنقلوا في الأمصار الإسلامية.. فرارا من الاضطهاد العباسي والفاطمي الاسماعيلي الذي ظهر في مصر والشام بالدولة الباطنية الإسماعيلية، وهم في تنقلهم ينشرون المذهب ويفتون الناس..»[26]





الهوامش:


[1] موقف الزيدية وأهل السنة من العقيدة الإسماعيلية وفلسفتها-تأليف:الدكتور كمال الدين نور الدين مرجوني-دار الكتب العلمية/بيروت-الطبعة الأولى/2009-ص:21(ويحيل على مجموعة من المصادر:طبقات الزيدية الكبرى للإمام إبراهيم بن القاسم-إتحاف المهتدين بذكر الأئمة المجددين لمحمد بن محمد بن يحيى زبارة-كتاب الملل والنحل ضمن مقدمة البحر الزخار-شذرات الذهب لابن العماد)
[2] الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات(النشأة-التاريخ-العقيدة-التوزيع الجغرافي):سعد رستم-الناشر: أنوار للنشر والتوزيع-الدار البيضاء-الطبعة الأولى/2008-ص:211-212
[3] تاريخ المذاهب الإسلامية-الإمام محمد أبو زهرة-دار الفكر العربي/القاهرة-طبعة/2009-ص:637-638، وقد أشار  في سرد تاريخ الإمام زيد وما لاقاه من الخليفة الأموي إلى المصادر التالية: الكامل في التاريخ لابن الأثير في جزئه الخامس وابن كثير في البداية والنهاية في جزئه التاسع ومروج الذهب للمسعودي في جزئه الثاني وزهر الآداب للقيرواني في جزئه الأول
[4] انظر هداية الراغبين إلى مذهب العترة، للهادي بن إبراهيم الوزير، 1 /  202، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية، 1423هـ ـ 2002م- موقع إلكتروني
[5] الخطط ،للمقريزي 2/436 نقلاً عن الحياة السياسية والفكرية للزيدية في المشرق الإسلامي ،لأحمد شوقي  العمرجي-ص:37-نفس الموقع الإلكتروني
[6] تاريخ المذاهب الإسلامية-ص:650-651
[7] نفس المصدر-ص:656-657 وانظر كذلك كتاب: الإمام زيد:حياته وعصره، آراؤه وفقهه له-دار الفكر العربي(د.ت)-القسم الثاني:آراء الإمام زيد
[8] الإمام زيد-لمحمد أبو زهرة-ص:226
[9] نفس المصدر-مابين صفحة233 وصفحة272
[10] نفس المصدر-ص:233/235
[11] دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين(الخوارج والشيعة) للأستاذ أحمد محمد أحمد جلي-مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية/الرياض-الطبعة الثالثة/2008 ص:298
[12] تاريخ المذاهب الإسلامية-ص:662-663
[13] الإمام زيد-أبو زهرة-ص: 184
[14] مجموع آراء الإمام زيد الاعتقادية عرضها أبو زهرة في كتابه: الإمام زيد في القسم الثاني ما بين صفحة 184 وصفحة224، كما عقد أحمد جلي مقارنة بين آراء الزيدية ممثلة في رسائل القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي(169-246هـ) وآراء واصل بن عطاء المعتزلي لإثبات أوجه التقارب بين الرأيين في كتابه :دراسة عن الفرق-ص:288
[15] موقف الزيدية-كمال الدين مرجوني-ص: 30، وأشار إلى مجموعة من مصادرهم:شرح رسالة الحور العين لنشوان الحميري-شرح الأساس الكبير لأحمد الشرفي-كتاب الملل والنحل لأحمد بن يحيى المرتضى-المعالم الدينية ليحيى بن حمزة-عن الزيدية للقاضي الأكوع
[16] الفرق والمذاهب الإسلامية-ص:213
[17] نفس المرجع والصفحة
[18] هِدَاْيَة الرَّاْغِبِيْنَ إِلى مَذْهَبِ الْعِتْرَةِ الطَّاْهِرِيْنَ، للهادي يحي بن الحسين بن القاسم الأكوع، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية. إعداد: اللجنة العلمية 15/ربيع الثاني/1431-موقع الزيدية على الشبكة الإلكترونية
[19] دراسة عن الفرق -ص:280
[20] نفس المرجع-ص:286
[21-22-23] مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للإمام أبي الحسن الأشعري-تحقيقك أحمد جاد-دار الحديث/القاهرة-طبعة/2008-ص:48-49-50- 51
[24] الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني-دار ابن حزم/بيروت-الطبعة الأولى/2005-ص106
[25] الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي-تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد-مكتبة دار التراث/القاهرة-طبعة/2007-ص:41 فما فوق
[26] الإمام زيد-أبو زهرة-ص: 489

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الجاحظية من المعتزلة

الجاحظية من المعتزلة

هم أتباع عمرو بن بحر الكناني أبي عثمان الشهير بالجاحظ (163-255هـ) الأديب والمتكلم المعتزلي، وهو مذهب في نفي الصفات وإثبات القدر خيره وشره من العبد، وهو مذهب المعتزلة عموما.. ويعد الجاحظ من الطبقة السابعة في ترتيب رجال الاعتزال كما ذكر ذلك البغدادي في فرقه، ويعتبر من معتزلة البصرة؛ منبت الاعتزال ومهد التيارات، ومقصد الشعراء والبلغاء.

فرقة الشَّيْخيَّة

فرقة الشَّيْخيَّة

برز في القرن الثاني عشر الهجري أحد مشايخ الشيعة الإمامية  في منطقة الإحساء شرقي الجزيرة العربية، كان ذا اتجاه فلسفي مغال، وكان غزير التأليف، ونادى في مؤلفاته بأفكار غالية، كانت السبب في نشأة فرقة جديدة قليلة الأتباع  ضمن الشيعة الإمامية تميز أتباعها بمجموعة من العقائد؛ اعتبرها جمهور علماء الشيعة غلوا وانحرافا، بل وصل الأمر ببعض علماء الشيعة إلى حد تكفير أتباع هذه الفرقة الجديدة...

المعمرية ( من المعتزلة)

المعمرية ( من المعتزلة)

أصحاب معمر بن عباد السلمى وهو من أعظم القدرية فرية‏:‏ في تدقيق القول بنفي الصفات ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى والتكفير والتضليل على ذلك‏.‏ وانفرد عن أصحابه بمسائل‏:‏ منها‏:‏ أنه قال‏:‏ إن الله تعالى لم يخلق شيئاً غير الأجسام فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام‏:‏ إما طبعاً كالنار التي تحدث الإحراق والشمس والحرارة والقمر التلوين وإما اختياراً كالحيوان يحدث الحركة والسكون والاجتماع والافتراق‏.‏ ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان فكيف يقول‏:‏ إنها من فعل الأجسام...