الفرق الكلامية في الغرب الإسلامي

دور المهدي بن تومرت في نشر الأشعرية بالمغرب
دور المهدي بن تومرت في نشر الأشعرية بالمغرب

- دور ابن تومرت في نشر الأشعرية بالمغرب:
يقول عبد المجيد النجار في كتابه:"المهدي بن تومرت"[1]:« لما رجع ابن تومرت من رحلته إلى المشرق، قُدِّر له أن يكون الانتشار الأوسع للأشعرية بالمغرب على يديه، وأن يكون لتعاليمه الدور الحاسم في اعتناق كافة أهل المغرب لهذه العقيدة إلى هذا اليوم. وقد توفرت جملة من الأسباب الأساسية أتاحت لهذا الانتشار أن يكون على يدي ابن تومرت، نذكر منها بالأخص السببين التاليين:
الأول: التمهيد للأشعرية الذي سبق ابن تومرت متمثلا كما بيناه آنفا في اطلاع كثير من أهل المغرب على هذا المذهب[إشارة إلى ما فصَّله الكاتب حول صدى الأشعرية بالمغرب]، مما أنشأ في النفوس استعدادا لتقبلها، خاصة وأنها في حقيقتها ليست إلا تطويرا لمذهب السلف في الاعتقاد أضيف إليه العنصر العقلي في الاحتجاج والتأويل، فلما كانت الأذهان عامرة بالأصل تقبلت هذا التطوير بما سبق لها من العهد به طيلة ما يقارب القرنين.
الثاني: ما توفر للمهدي وخلفائه من سلطة سياسية استعملت في نشر آراء المهدي، ومن بينها آراؤه الأشعرية، ولا شك أن السلطة السياسية تتوفر لها من وسائل النشر المادية والمعنوية ما يساعد على تبليغ هذه العقيدة في أسرع وقت وأوسع رقعة حتى كان لها الظهور والرسوخ..
لقد كان انتشار الأشعرية بالمغرب نتيجة لما بذله المهدي وخلفاؤه من بعده من جهد ضمن خطتهم التربوية الهادفة إلى الإقناع بالرؤى التي رسمها المهدي، وجعلها أساسا يُجري عليه الناس تصوراتهم العقدية ويعوضون به ما كان سائدا من تصورات قد يخالطها أحيانا شيء من التشبيه والتجسيم، وقد كان هذا العمل منهم ركنا أساسيا من أركان الدعوة الموحدية الهادفة إلى التغيير الشامل في الفكر والسياسة والاجتماع.
وكان المهدي يقوم بنفسه بتدريس وشرح ما كتبه من مؤلفات ويلقن للناس فحواه، وقد قال ابن خلدون في هذا المعنى: «فنزل[المهدي] على قومه وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة وبنى رابطة للعبادة، فاجتمعت إليه الطلبة والقبائل يعلمهم المرشدة والتوحيد باللسان البربري»[2] ..
ولما تولى عبد المومن اعتنى بمؤلفات المهدي، فهو الذي رتبها في سفر جامع هو المعروف اليوم بـ"أعز ما يطلب"، وكان يقوم بنفسه بتدريس مسائل من هذه المؤلفات في مجالس يعقدها بغرض التدريس، كما كان يأمر بأن يقرأ بعض منها للتبرك عند العزم على القيام بمهمات الأمور وخاصة عند الحرب، وصار كل ذلك سُنة سار عليها بنوه من بعده..
وقد أصدر عبد المومن مرسوما يأمر فيه عامة الناس بأن يشتغلوا بقراءة مؤلفات المهدي في العقيدة، وضبط لهم في ذلك أقداراً معيَّنةً وتراتيب يتبعونها، ومما يلفت الانتباه في هذا المرسوم ما جاء فيه من أنه«يلزم العامة ومن في الديار بقراءة العقيدة التي أولها: (اعلم أرشدنا الله وإياك) وحفظها وتفهمها..»[3] وقد أدت هذه السياسة في نشر مؤلفات المهدي وإشاعتها إلى أن أخذت طريقها بين عامة الناس، وجرت بها دروس العلماء وشروحهم في مختلف الآفاق المغربية، وتداولتها الأيدي على مر الأيام..وتكونت بهذه المؤلفات مدرسة مغربية في أصول الدين ذات صبغة أشعرية، ونشط التدريس لهذا العلم والتأليف فيه بعدما كان مهجورا مقبحا معدودا من البدع، مأمورا في عهد المرابطين بتجافيه، مشددا على من وقع الشك في الميل إليه. وقد قام على تنشيط هذه المدرسة ثلة من العلماء اعتنى بعضهم بمؤلفات المهدي خاصة، وجنح بعضهم الآخر إلى الاختصاص بما فيها من أشعرية فتوسع فيها ورجع بها إلى أصولها..
 ونذكر من هؤلاء العلماء أبا الحسن علي بن محمد بن خليل الإشبيلي(ت567هـ/1171م)، فقد تحدث عنه ابن الصلاة قائلا فيه أنه كان عالما فاضلا يتكلم في المجلس العالي مسترسلا بالمذاكرة متمهلا على حسن أدب في المناظرة، فإذا خرج منه تذاكر مع طلبة الحضر بما وعى من الخليفة من علم المهدي وبيَّن لهم ما ناله من العلم النبوي، وذكر أنه من بين الذين درسوا عليه ووصف مشهدا من مجلسه العلمي قائلا:     «لقيته بحضرة مراكش حرسها الله سنة ستين وخمسمائة، وسمعت عليه قراءة التوحيد والعقيدة المباركة المسماة بالطهارة وكتاب أعز ما يطلب بقراءة الكاتب أبي عبد الله بن عميرة، وكان إذا قرأ المذكور فصلا مما ذكرته من العقائد شرح غامضها وفتح أقفالها على الطلبة»[4].
ومنهم أبو عمرو عثمان بن عبد الله القيسي القرشي المعروف بالسلالجي(ت564هـ/1168م) تلميذ الإشبيلي، كان بارعا في علم الكلام متصديا  لتعليم عقيدة ابن تومرت، وقد ألف في ذلك كتابا سماه"العقيدة البرهانية"، وقال فيه صاحب الجذوة أنه كان يلقب بمنقذ أهل فاس من التجسيم..[5]
ومنهم أبو العباس أحمد بن عبد الرحمان بن الصغير الأنصاري(ت559هـ/1163م) الذي نظمه عبد المومن بين طلبة الموحدين فتلقى مبادئهم وبرع في عقيدتهم وعلمها للناس، فولاّه عبد المومن قضاء غرناطة، ثم قضاء إشبيلية.
ومنهم أبو علي عمر بن ملك المرساوي الذي قال فيه الغبريني أنه كان أعلم وقته بعلم الكلام، وكان محققا له محصلا لمعانيه كليا أو جزئيا، وكان أحفظ الناس بدقائق تفاصيله، وكان طريقه في ذلك كله طريق الأقدمين مثل الجويني وأبي بكر بن الطيب الباقلاني.
لقد كان هؤلاء الأصوليون وغيرهم يسهمون في تنشيط الدور الذي قامت به مؤلفات المهدي في تعريف أهل الغرب بالأشعرية وإقناعهم بها مذهبا عقديا، حيث رجعوا إلى أعلامها من أهل المشرق يتعمقون بآرائهم وتصانيفهم في شرح ما ورد في مؤلفات المهدي منها..ومما ساعد على نمو الدرس للآراء الأشعرية وسرعة انتشارها بين الناس من خلال الدرس لآراء المهدي عامة، ما كان في مؤلفات المهدي من استقلالية لآرائه ذات الصبغة المهدوية عن آرائه ذات الصبغة الأشعرية، فالأولى ضمنها كتاب"الإمامة"ولم يوردها في سائر مؤلفاته إلا أن تكون إشارات قليلة، بينما جاءت بعض الرسائل ممحضة للآراء الأشعرية مثل المرشدة، وهو ما جعل الناس يتقبلونها ويقبلون عليها في منأى من الاحتراز الذي تسببه لكثير منهم الآراء المهدوية.
ولهذه العوامل كلها وَجدت الآراء الأشعرية للمهدي طريقها إلى الاندماج في تيار الفكر الأشعري العام، وجرى في نطاق هذا التيار درسها والاقتباس منها، والاستشهاد بها، إلى جانب غيرها من آراء سائر أئمة الأشعرية..
-أثر عقيدة المرشدة في نشر الأشعرية بالمغرب:
لئن كانت مؤلفات المهدي عموما هي العامل في انتشار الأشعرية بالمغرب لما كان من العناية بها وإفشائها بين الناس كما بيناه، فإن واحدا من تلك المؤلفات هو الذي كان له الدور الأكبر في إشاعة الأشعرية بين أهل المغرب، وكان له الأثر البالغ في تحويل التصور العقدي المغربي من تصور سلفي إلى تصور يقوم على التأويل، ونعني بهذا المؤلف"عقيدة المرشدة"، فقد شاع ذكرها بين الناس عامتهم وعلمائهم، وجرت بها الألسنة حفظا وشرحا، وصارت على مر الأيام الخلاصة للتصور العقدي الذي تجري به الأذهان ويلقن للناس. ولذلك فإننا نعتبر انتشار هذه العقيدة وتأثيرها المظهر المهم من مظاهر الأثر الأشعري لابن تومرت بالمغرب، باعتبار أنها مؤلفة على الطريقة الأشعرية خالية من الآراء التي خالف فيها المهدي هذه الطريقة..
ومن البيِّن من نص هذه العقيدة أنها في جملتها وفي ظاهرها جارية على منهج الأشاعرة ومقولاتهم، وهو ما هيأ لها القبول في نفوس الناس، وجعل العلماء يقبلون عليها بالدرس والشرح مطمئنين إلى صحتها وخلوها من الزيغ، وهو ما عبر عنه الشيخ السنوسي أحد شراحها بقوله: «اجتمعت الأئمة على صحة هذه العقيدة ولا غير، وأنها مرشدة رشيدة، ولم يترك المهدي أحسن منها وسيلة، نفعنا الله وإياك بعقد عقيدتها الجميلة»[5]..
إن وجازة المرشدة وبلاغتها، وسلامتها من كل مخالفة ظاهرة للآراء الأشعرية ضمن لها الذيوع والانتشار، وجلب لها العناية المتزايدة بالدرس والشرح سواء في عهد الموحدين أو بعدهم. وكان المهدي نفسه يوليها عناية متزايدة بالتبليغ والتدريس، ونرجح أن تكون من مؤلفاته الأولى حين نزوله ببلده إثر رحلته إلى المشرق، فجاءت لذلك خالية من القول في الإمامة التي يبدو أن آراءه فيها لم تتضح لديه بعد، ولم يصدع بها إلا حينما انتقل إلى تينمل.. ولا شك أن أمر عبد المومن عامة الناس بحفظ المرشدة وفهمها كان له دور فعال في انتشارها وذيوعها، فكثر حفظها وإقراؤها في المساجد، وكثرت الشروح عليها وتتالى ذلك عبر القرون، ويبدو أن العناية بها من قبل العلماء خاصة تزايدت بعد سقوط الموحدين حينما توطد الاندماج بين الآراء الأشعرية للمهدي وبين التيار الأشعري العام..
ولا يفوتنا أن نلاحظ من خلال ما تقدم من مظاهر العناية بالمرشدة، أن انتشارها والعناية بها شرحا وتدريسا وخاصة في المغرب كان أكثر بروزا في الأوساط الصوفية، فقد كانت متداولة بينهم جارية بالحفظ على ألسنتهم.. ويمكن أن نفسر هذا الرواج للمرشدة بين الصوفية بأمرين:
الأول: الانتشار الواسع للتصوف بالمغرب بعد القرن السادس، وفشوه بين العلماء والعامة، واقترانه مع الأشعرية بفعل تأثير الغزالي الذي جمع بين التصوف والأشعرية، وكان لكتابه الإحياء رواج كبير بالمغرب، فأقبل المتصوفة على المرشدة ضمن إقبالهم على الأشعرية. والثاني: أن المتصوفة فيما يبدو لم يكن موقفهم من ابن تومرت متصفا بالاحتراز الذي نجده عند غيرهم..
 وننتهي أخيرا إلى القول بأن الآراء العقدية لابن تومرت كان مصيرها في المغرب، وأثرها في أهله خاضعين لطبيعة الآراء من جهة، وطبيعة البيئة الثقافية المغربية من جهة أخرى، فتلك الآراء التي تحمل البذرة الإمامية كانت لغرابتها عن البيئة السنية المالكية آيلة شيئا فشيئا إلى الزوال حتى لم يبق لها أثر يذكر، أما تلك التي تحمل النفس الأشعري فقد وجدت في هذه البيئة من أسباب الحياة ما ازدهرت به، فأسهمت في إثراء الجانب العقدي في الحياة المغربية، والتحمت أخيرا بالتيار الأشعري العام الذي جرت به هذه الحياة وتواصلت إلى اليوم..»

 

[المهدي بن تومرت (أبو عبد الله محمد بن عبد الله المغربي السوسي المتوفى سنة: 524هـ/1129م- حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب-الدكتور:عبد المجيد النجار-دار الغرب الإسلامي-الطبعة الأولى:1983)-ص: 444 فما فوق]

 

 

الهوامش:

 

[1] المهدي بن تومرت:حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب- الدكتور:عبد المجيد النجار-دار الغرب الإسلامي-الطبعة الأولى:1983-ص: 444
[2] العبر لابن خلدون-ج/2-ص:466-طبعة دار الكتاب اللبناني/1959
[3] كتاب أخبار المهدي للبيدق-ص:134-ذكره عبد المجيد النجار ضمن كتاب:المقتبس من الأنساب في معرفة الأصحاب/نشر بروفنسال
[4] عبد الملك بن محمد بن صاحب الصلاة- المن بالإمامة –تحقيق:عبد الهادي التازي-طبعة دار الأندلس/بيروت 1965- ص:228
[5] جذوة الاقتباس لابن القاضي-ص:290-وانظر: الدولة الموحدية بالمغرب لعبد الله علام-ص:305


 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تأصيل الفرق الكلامية برأي ابن خلدون

تأصيل الفرق الكلامية برأي ابن خلدون

تحدث ابن خلدون في الفصل العاشر من مقدمته عن علم الكلام معتبرا أنه: (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد).ثم بدأ بعد ذلك ببسط أدلة التوحيد كما عرضها السلف منذ بزوغ فجر الإسلام وكيف أخذها هؤلاء خلفا عن سلف حتى نشأ الخلاف الكلامي بين الفرق الكلامية باختلاف أنواعها.

 

تحدث ابن خلدون في الفصل العاشر من مقدمته[1] عن علم الكلام معتبرا أنه: 
(علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد).
ثم بدأ بعد ذلك ببسط أدلة التوحيد كما عرضها السلف منذ بزوغ فجر الإسلام وكيف أخذها هؤلاء خلفا عن سلف حتى نشأ الخلاف الكلامي بين الفرق الكلامية باختلاف أنواعها

المرجئة ببلاد المغرب والأندلس

المرجئة ببلاد المغرب والأندلس

قبل البدء لابد أن نبيّن أن الكتب التي اعتنت بالتأليف في هذه الفرقة -إفرادا أو ضمن مباحث كتب الفِرَق- قليلة جدا، كما أن المعلومات عنها تكاد تتكرر وتتشابه، مقارنة مع غيرها من الفِرق التي غيرت بشكل كبير ملامح الخريطة العقدية لقرون عدة للعالم الإسلامي مِن شرقه إلى غربه، ولهذا سنحاول في هذه الأسطر أن نتناول التعريف بفرقة المرجئة -حسب ما تيسر لنا من مصادر ومراجع ـ، ودخولها إلى المغرب والأندلس، ومقاومة العلماء لها، مع شيء من التركيز دون إخلال ولا إملال، وبالله نستعين؛

العبيديون الفاطميون بالمغرب

العبيديون الفاطميون بالمغرب

يذهب المؤرخون الذين اهتموا بتتبع أطوار نشأة الدولة العبيدية الفاطمية إلى القول بأن أصلهم يرجع إلى نَسب أبناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه زوج السيدة فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول عبد العزيز المجدوب:  «يرجع- أصل الفاطميين- إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وإمامهم هو عبد الله الذي تلقب بالمهدي على أنه المهدي المنتظر الذي دعا دولته بالدولة الفاطمية».