مفاهيم عقدية

الحَقَائِقُ فِي تَعْرِيْفَاتِ مُصْطَلَحَاتِ عُــلَمَاءِ الكَلامِ[1] (3/3)
الحَقَائِقُ فِي تَعْرِيْفَاتِ مُصْطَلَحَاتِ عُــلَمَاءِ الكَلامِ[1] (3/3)

تأليف الإمَام المُتَكَلِّم الفَقِيْه أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بْنُ يُوْسِف السَّنُوْسِيّ
التـِّلِمْسَاني المَالِكِيّ (المتوفى سنة895 هــ)

حقيقة الجرم: هو الذي أخذ قدره من الفراغ.
والفراغ: هو الهواء المنحرف.
والهواء: هو ما بين السماء والأرض.
حقيقة خاصية الجرم: هو التحيز، وقبوله الأعراض، وقيامه بنفسه.
و[حقيقة] خاصية العرض: هو الذي هو الذي لا يقوم بنفسه، ويقوم بغيره، ولا يبقى أزمان أصلاً.
الجرم ينقسم ثلاثة أقسام: كثيف، ولطيف، وشفاف.
حقيقة الجرم الكثيف: هو الذي يمنع أن يحل غيره حيث حل، ولا ينفذه البصر.
مثاله: الحائط، والجبل، وما أشبه ذلك.
حقيقة الجرم اللطيف: هو الذي يمنع أن يحل غيره حيث حل، وينفذه البصر. مثاله:
كالماء، والزجاج، وما أشبه ذلك.
حقيقة الجرم الشفاف: هو الذي لا يمنع أن يحل غيره حيث حل، وينفذه البصر.
مثاله: كالهواء، والرياح، والضباب، وما أشبه ذلك.
الجرم من حيث هو ينقسم إلى قسمين: إلى جامد و غيره.
فغير الجامدكالماء.
والجامد ينقسم إلى قسمين: إلى نامي، وغيره.
فغير النامي كالحجر.
والنامي ينقسم إلى قسمين: إلى نامي بنفسه، ونامي بغيره.
النامي بنفسه كالأشجار، والكلأ، وما أشبه ذلك.
والنامي بغيره ينقسم إلى قسمين: إلى عاقل، وغيره.
فغير العاقل كالبهائم.
والعاقل ينقسم إلى قسمين: إلى مؤمن، وغيره.
وغير المؤمن كالكافر.
والمؤمن ينقسم إلى قسمين: مكلف، وغيره.
وغير المكلف كالصبيان، وما أشبه ذلك.
والمكلف ينقسم إلى قسمين: إلى معصوم، وغيره.
فالمعصوم كالملائكة، والأنبياء، والرسل -عليهم الصلاة والسلام-.
وغير المعصوم ينقسم إلى قسمين: إلى محفوظ، وغيره.
فالمحفوظ كالأولياء.
وغير المحفوظ ينقسم إلى قسمين: إلى تائب، وغيره.
التائب مغفور له في مشيئة الله.

ما الدليل على الله تبارك وتعالى متصف بالقيام بالنفس؟
النقل والعقل.
النقل: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾.
ومن العقل: لو احتاج إلى محل لكان صفة، ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثاً.

ما الدليل على تبارك وتعالى متصف بالوحدانية؟
النقل والعقل.
النقل: ﴿قل هو الله أحد...﴾الخ.
ومن العقل: لو لم يكن واحداً لزم أن لا يوجد شيء من الحوادث.

ما الدليل على الله تبارك وتعالى متصف بالقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة؟
النقل والعقل.
النقل: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾.﴿إن الله يفعل ما يريد﴾. ﴿والله بكل شيء عليم﴾. ﴿هو الحي الذي لا إله إلا هو﴾.
العقل: لو انتفى لمَاَ وجد شيء من الحوادث.

ما الدليل على الله تبارك وتعالى متصف بالسمع، والبصر، والكلام؟
الكتاب والسنة والإجماع.
الكتاب: ﴿إن الله سميع بصير﴾. ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾.
والسنة: ((اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون من هو أصم ولا غائباً، تدعون سميعاً بصيراً )).
وأجمعت الأئمة على ذلك.
والعقل: لو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها، وهي نقائص والنقص عليه محال.

ما الدليل [على أن الله ] تبارك وتعالى لا غرض له في وجود المخلوقات؟
النقل والعقل.
النقل: قوله تبارك وتعالى:﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾.
و العقل: لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلاً أو استحال عقلاً، لانقلب الممكن واجباً أو مستحيلاً وذلك لا يعقل.

ما الدليل على صدق الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؟
النقل والعقل.
النقل: قوله تبارك وتعالى:﴿وصدق الله ورسوله﴾.
والعقل: لو لم يصدق للزم الكذب في خبره تعالى، وتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منـزلة قوله: صدق عبدي في كل ما يبلغ عني.

ما الدليل على أمانة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؟
النقل والعقل.
النقل: قوله تبارك وتعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.
ومن العقل: لو خالف بفعل محرم أو مكروه لا انقلب المحرم أو المكروه طاعة، في حقهم -عليهم الصلاة والسلام- لأن الله تعالى قد أمرنا بالإقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، ولا يأمر الله تعالى بمحرم ولا مكروه، وهذا هو برهان التبليغ.

وما الدليل على جواز الأعراض البشرية في حقهم -عليهم الصلاة والسلام-؟
مشاهدة وقوعها بهم لأهل زمانهم، وانقلبت إلينا بالتواتر، والتواتر نقله خلف عن سلف.
ويجمع معاني هذه العقائد كلها قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ويقال: الإله، والألوهية، والله، ولا إله إلا الله.
الإله ذات، والألوهية صفة قامت بالذات، والله أسم الذات، ولا إله إلا الله نفي وإثبات.
حقيقة الإله: هو واجب الوجود، المستحق للعبادة.
حقيقة الألوهية: استغناء الإله عن كل ما سواه، وافتقارٌ إليه كل ما عداه.
حقيقة الله: هو اسم جزئي... الخ ماتقدم .
حقيقة لا إله إلا الله: هو نفي الحقيقة عن غير الله، وإثباتها لله.

ويقال: ما أصل هذه الكلمة المشرقة، وما فرعها، وما حقيقتها، وما مرادها، وما إحسانها، وما كلامها.
أصلها: القلب.
وفرعها: اللسان.
وحقيقتها: لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله تعالى.
حقيقة المعجزة: هو أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، يدعيها الرسول وتوافق دعواه.
حقيقة الكرامات: هو أمر الخارق للعادة، غير مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، يدعيها الولي وتوافق دعواه.
حقيقة السحر: هو أمر كلام المؤلف يعظم فيه غير الرب، وينسب إليه المقادير.
حقيقة الشعوذة: هي خفة اليد، مع خفاء وجه الحيلة.
حقيقة سبحان الله: هو التنـزه عن النقائص.
حقيقة أستغفر الله: هو طلب الستر على الذنب، وعدم المؤاخذة به.
حقيقة ألله أكبر: هو الذي يصغر على ذكره كل شيء.
حقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: لا تحول لي معصيتك، ولا قوة لي على طاعتك إلا بتوفيقك.
حقيقة الولي: هو العرف بربه، المواظب على طاعته، الواقف عند حدوده، الخائف من عذابه.
حقيقة الصالح: هو الذي صلحت منه الجوارح السبعة.
حقيقة المسلم: هو الذي سلمت الخلائق من إذايته .
حقيقة المسكين: هو الذي يقدر على الشيء ولا يفعله.
ويقال: مراتب الإيمان، وشروطه، وأقسامه، وحقيقته، ومحله، وما هو الإيمان الذي لا يزيد وينقص، والذي يزيد ولا ينقص، والذي يزيد وينقص.
مراتب الإيمان عشرة:
أمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره، حلوه، ومره.
وشروطه: التقوى، وعلم دون جهل، ويقين دون شك، وإخلاص دون رياء، واستواء الظاهر والباطن.
وأقسامه أربعة:
قول، وفعل، ونية، وعمل.
حقيقة [الإيمان]: النطق باللسان، واعتقاد في القلب، والعمل بالجوارح.
ومحله: القلب.
والإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص: إيمان الملائكة.
والذي يزيد ولا ينقص: إيمان الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.
والذي يزيد وينقص: إيمان عامة المسلمين.
قواعد الإسلام، وشروطه، وحقيقته،[وإسلام البداية ]، وإسلام النهاية، وإسلام الوسط.
قواعد الإسلام خمسة:
شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وشرطه: دال، ودليل، ومبين، ومستدل به.
الدال: جبريل.
والدليل: القرآن.
والمبين: المصطفى -عليه الصلاة والسلام-.
ومستدل به: العلماء.
وأقسامه ثلاثة:
قسم يتعلق بالأبدان، وقسم يتعلق بالأموال، وقسم يتعلق بالزمان والمكان.
فالذي يتعلق بالأبدان: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان.
والذي يتعلق بالأموال: الزكاة في العين والحرث والماشية.
والذي يتعلق بالزمان والمكان: الطواف بالكعبة، والوقوف بعرفة ليلة النحر.
وحقيقة [الإسلام]: هو انقياد الجوارح إلى الطاعة.
إسلام البداية: هو النطق بالشهادة عند البلوغ.
إسلام النهاية: هو النطق بالشهادة عند الغرغرة.
إسلام الوسط: هو ما بينهما.
حقيقة لا إله إلا الله: لا مستغني عن كل ما سواه، ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله تعالى .
يدخل تحت الاستغناء من الواجبات إحدى عشر وهي:
الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة، والقيام بالنفس، والسمع، والبصر، والكلام، [وكونه] سميعاً، بصيراً، متكلماً.
وأضدادها: العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة، والافتقار، والصم، والعمى، والبكم، [وكونه] أصم، أعمى، أبكم.
وثلاثة أقسام من الجائزات هي:
العرض، وجواز الفعل والترك، ونفي التأثير بالقوة.
وأضدادها: ثبوت الغرض، ووجوب الفعل والترك، وثبوت التأثير بالقوة.
وما يدخل تحت الافتقار تسع صفات من الواجبات وهي:
القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، [وكونه] قادراً، مريداً، عالماً، حياً، والوحدانية.
وأضدادها من المستحيلات:
العجز، والكراهة، والجهل، والموت، [وكونه] عاجزاً، كارهاً، جاهلاً، ميتاً، والتعدد.
وقسمين من الجائزات: حدوث العالم بأسره، ونفي التأثير بالطبع.
وضدها: قدم العالم بأسره، ونفي ثبوت التأثير بالطبع.
هذه جملة ما يدخل تحت الجزء الأول من كلمتي الشهادة.

وأما ما يدخل تحت الجزء الثاني وهو قولنا: محمد رسول الله
 [الواجب]: الإيمان بسائر الأنبياء، والملائكة، والكتب السماوية، واليوم الآخر.
وضدهم: عدم الإيمان بسائر الأنبياء، وعدم الإيمان بالملائكة، وعدم الإيمان بالكتب السماوية، وعدم الإيمان باليوم الآخر.
والصدق، والأمانة، والتبليغ.
وضدهم: الكذب، والخيانة، والكتمان.
والجائز في حقهم: هو من الأعراض البشرية، التي لا تؤدي إلى نقص مراتبهم، كالمرض ونحوه.
وضدها: عدم وقوعها بهم.

ومن أحصى هذه الفصول السبعة دخل الجنة وغلقت عنه أبواب جهنم.
الفصل الأول: إثبات زائده.
الفصل الثاني: استحالة قيامه بنفسه.
الفصل الثالث: استحالة انتقاله.
الفصل الرابع: استحالة كمونه[.... ].
الفصل الخامس: استحالة عدم ملازمته للأجرام.
الفصل السادس: استحالة الحوادث لا أول لها.
الفصل السابع: انعدام القديم.
حقيقة الذات العلية: هي التي لا تقبل القسمة ولا تقبل المثل ولا تقبل التركيب.
وبالله تعالى التوفيق.
حقيقة التوفيق: هو خلق القدرة على الطاعة .

 

 

الهوامش:


[1] الحَقَائِقُ فِي تَعْرِيْفَاتِ مُصْطَلَحَاتِ عُــلَمَاءِ الكَلامِ تأليف الإمَام المُتَكَلِّم الفَقِيْه أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بْنُ يُوْسِف السَّنُوْسِيّ التـِّلِمْسَاني المَالِكِيّ (المتوفى سنة895 هــ) اعتنى بها أبو عبد الرحمن المالكي المازري وفقه الله لما يحبه ويرضاه عن نسخة من مقتنيات الحرم المدني



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الحكم العقلي في المذهب الأشعري ـ القسم الثاني ـ

الحكم العقلي في المذهب الأشعري ـ القسم الثاني ـ

بينا في القسم الأول من هذه الدراسة (وهو عبارة عن مدخل عام) مركزية "المفاهيم" في المنظومة العقدية الأشعرية، وما انبنى عليها من تنويه إلى ضرورة إعادة دراسة المفاهيم الأشعرية وفق منهجية علمية تبين عن إجرائيتها في تقرير العقائد الدينية وبناء مسائلها. ومما اختُص به هذا المدخل العام عرضُه لظهور مفهوم الحكم العقلي في الكتابات الأشعرية بالتساوق مع إبراز أهميته الكبرى وقيمته القصوى في المذهب الأشعري. 

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

يشهد الدرس الأكاديمي في مختلف العلوم الإسلامية سوْرة الاهتمام بالمفاهيم العلمية؛ تنقيبًا في التراث العربي الإسلامي، وتأصيلًا على ضوء اللغة والوحيين، ودراسةً وفق ما استجد من الوسائل والمناهج. وهذه العناية عائدة إلى قيمتها المركزية في فهم الإنتاج العلمي والمحصول المعرفي في هذه العلوم واستيعابها وتنزيل أحكامها. 

السمــعيــات

السمــعيــات

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.

 

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونيةالسمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.