مفاهيم عقدية

حد "النظر" عند علماء الأشاعرة
حد "النظر" عند علماء الأشاعرة

1- هو عند القاضي أبو بكر الباقلاني (ت:403هـ): «النظر هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما، أو غلبة ظن». (1)  وقد حكاه عنه الآمدي (ت:631هـ) شارحا بقوله: «وقوله: هو الذي يطلب به من قام به علما، أو غلبة ظن، شرح لمعنى الفكر، فإنه لما قال: النظر هو الفكر، كأن سائلا سأل وقال: فما الفكر؟ فقال: هو الذي يطلب به من قام به علما، أو غلبة ظن، وقد قصد بقوله: يطلب به الاحتراز عن سائر الصفات المشروطة بالحياة، وعن الحياة؛ فإنه لو قال: هو الذي يطلب به من قام به علما، أو غلبة ظن، ولم يقل به؛ لانتقض بسائر هذه الصفات؛ فإنها قائمة بطالب العلم، والظن، وليست فكرا.وبقوله علما، أو غلبة ظن، تعميم القاطع، والظني»(2).
2- ويعلق الإيجي(ت:756هـ) في كتاب المواقف قائلا: «فهذا الحد الذي ذكره القاضي؛ تعريفه الشامل لجميع أقسامه، من الصحيح، والفاسد، والقطعي، والظني، والموصل إلى التصور، سواء كان في مفرد، أو مركب، والموصل إلى التصديق على اختلاف أقسامه» (3).
والعلم النظري عند القاضي هو: « علم يقع بعقب استدلال وتفكر في حال المنظور فيه، أو تذكر نظر فيه، فكل ما احتاج من العلوم إلى تقدم الفكر، والروية، وتأمل حال المعلوم، فهو الموصوف بقولنا علم نظري» (4).
3- أما أبو المعالي الجويني (ت: 478هـ) فيقول في "الإرشاد": « النظر في اصطلاح الموحدين هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمـا أو غلبة ظن»(5)؛ ويشرح اليفرني  هذا التعريف في المباحث العقلية قائلا: « وهذا أيضا فيه الجمع بين الحد والفائدة، فقوله: في اصطلاح الموحدين، احترز به عن النظر في اللغة، فإن له بالنسبة إليها محامل؛ وقوله هو الفكر هذا كالجنس، لأن الفكرة تارة يطلب به العلم والظن، وتارة يطلب به غيرهمـا، وقال بعضهم: إن الفكر لفظ مشترك يراد به التدبر والتأمل، ويراد به حديث النفس، ومنه الخبر والاستخبار، والأمر والنفي، وقوله: الذي يطلب به، أخرج به الخبر، وبقي الأمر والنهي، لأنه يطلب بهمـا، وقوله: علمـا أو غلبة ظن، هو شرح لمعنى الفكر، كأن سائلا قال له: ومـا الفكر؟ فقال: هو الذي يطلب به من قام به علمـا أو غلبة ظن، وفيه احتراز عن الفكر الذي لا يطلب به علم ولا غلبة ظن، وقوله: علمـا، يدخل فيه التصورات والتصديقات من المعقولات، وقوله: أو غلبة ظن، يريد به المشروعات الاجتهادية، كالظواهر والأقيسة»(6).
و في الشامل يقرر الجويني أنه: «لو اجترأ المجترئ فقال: النظر الصحيح هو الفكر المنوط بطلب وجه الدليل على وجه يوصل إليه، كان سديدا»(7).
4- والصحيح في حد النظر عند الإمام الغزالي (ت:505هـ)  ما نص عليه في كتاب "الاقتصاد" : «فهذه ثلاثة مناهج في الاستدلال جلية، لا يتصور إنكار حصول العلم منها، والعلم الحاصل هو المطلوب والمدلول، وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا العلم هو الدليل، والعلم بوجه لزوم هذا المطلوب من ازدواج الأصلين، علم بوجه دلالة الدليل، وفكرك الذي هو عبارة عن إحضارك الأصلين في الذهن، وطلبك التفطن لوجه لزوم العلم الثالث من العلمين الأصلين، هو النظر؛ فإذن عليك في درك العلم المطلوب وظيفتان؛ إحداهما: إحضار الأصلين في الذهن، وهذا يسمى فكراً، والآخر: تشوقك إلى التفطن لوجه لزوم المطلوب من ازدواج الأصلين، وهذا يسمى طلباً، فلذلك قال من جرد التفاته إلى الوظيفة الأولى حيث أراد حد النظر، أنه الفكر، وقال من جرد التفاته إلى الوظيفة الثانية في حد النظر، أنه طلب علم، أو غلبة ظن، وقال من التفت إلى الأمرين جميعاً، أنه الفكر الذي يطلب به من قام به علماً، أو غلبة ظن، فهكذا ينبغي أن تفهم الدليل، والمدلول، ووجه الدلالة، وحقيقة النظر، ودع عنك ما سودت به أوراق كثيرة من تطويلات، وترديد عبارات، لا تشفي غليل طالب، ولا تسكن نهمة متعطش، ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة، إلا من انصرف خائباً عن مقصده، بعد مطالعة تصانيف كثيرة، فإن رجعت الآن في طلب الصحيح إلى ما قيل في حد النظر، دل ذلك على أنك لم تخلص من هذا الكلام بطائل، ولن ترجع منه إلى حاصل، فإنك إذا عرفت أنه ليس ههنا إلا علوم ثلاثة: علمان هما أصلان يترتبان ترتباً مخصوصاً، وعلم ثالث يلزم منهما، وليس عليك فيه إلا وظيفتان: إحداهما إحضار العلمين في ذهنك، والثانية التفطن لوجه العلم الثالث منهما، والخيرة بعد ذلك إليك في إطلاق لفظ النظر في أن تعبر به عن الفكر الذي هو إحضار العلمين، أو عن التشوف الذي هو طلب التفطن لوجه لزوم العلم الثالث، أو عن الأمرين جميعاً، فإن العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها.
فإن قلت: غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين، وأنهم عبروا بالنظر عماذا؟، فاعلم أنك إذا سمعت واحداً يحد النظر بالفكر، وآخر بالطلب، وآخر بالفكر الذي هو يطلب به، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه، والعجب ممن لا يتفطن هذا، ويفرض الكلام في حد النظر» (8).
5- أما الإمام الفخر الرازي (تـ 606هـ)  فيرى أن: «النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن»(9).
يقول ابن التلمساني (ت:644هـ)  في شرح المعالم: «قول المصنف: إنه ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن، يشير إلى أن النظر مـاهية مركبة، وأنه لابد فيه من مادة وهي التصديقات، ولابد له من صورة، وهي الترتيب المخصوص، ويعبرون عن هذين الأمرين بالعلة المادية والصورية،... وقوله: ليتوصل بها إلى علم أو ظن إشارة إلى علته الغائية، وهي ما يقصد الشيء لأجله، وهي متقدمة في الذهن متأخرة في الوجود.
وفي ضمن قوله: ترتيب إشارة إلى المستحضر للعلوم المرتب لها، وهي عنده العلة الفاعلية»(10).
6- ونختم بقول عضد الدين الإيجي(ت:756هـ) في تحديده لذلك إذ يقول: «ونقول نحن في تعريف النظر على مذهبهم بحيث يتناول جميع أقسامه في التصورات والتصديقات بلا إشكال: (هو ملاحظة العقل ما هو حاصل عنده، لتحصيل غيره)». (11)

 

 

الهوامش:


(1)  انظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، الباقلاني، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية،ط1، 1408هـ/1987م، (ص:27)
(2) انظر: أبكار الأفكار في أصول الدين، للآمدي، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، ط1، 1424هـ/2003م، (ج:1ص: 63).
(3) انظر: كتاب المواقف، لعضد الدين الإيجي، بشرح السيد الشريف الجرجاني، تحقيق: د.عبد الرحمن عميرة، دار الجيل/بيروت- الطبعة الأولى، 1997م، ص: (1/119).
(4) راجع: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للباقلاني، بتحقيق محمد زاهد الكوثري، طبعة المكتبة الأزهرية الطبعة الثانية لسنة 1421هـ/2000م، ( ص:14).
(5) انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لإمام الحرمين الجويني/مكتبة الثقافة الدينية، (ص: 11)
(6) مخطوطة المباحث العقلية في شرح العقيدة البرهانية .
(7) كتاب:  الشامل في أصول الدين، للإمام الجويني، على سامي النشار وآخرون، نشر منشأة المعارف بالاسكندرية، 1969م، (ص: 97).
(8)  من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، للإمام الغزالي، ضبطه وقدم له، موفق فوزي الجبر، دار الحكمة بدمشق، ط1 : 1415هـ/1994م، (ص:36-37).
(9) من كتاب:  معالم أصول الدين، فخر الدين الرازي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، لبنان، (ص: 22).
(10) انظر:شرح معالم أصول الدين لابن التلمساني تحقيق عواد محمود عواد سالم ط1 المكتبة الأزهرية،  2011 م، (ص: 96).
(11)كتاب المواقف، بشرح السيد الشريف الجرجاني، (1/120-121).



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الحكم العقلي في المذهب الأشعري ـ القسم الثاني ـ

الحكم العقلي في المذهب الأشعري ـ القسم الثاني ـ

بينا في القسم الأول من هذه الدراسة (وهو عبارة عن مدخل عام) مركزية "المفاهيم" في المنظومة العقدية الأشعرية، وما انبنى عليها من تنويه إلى ضرورة إعادة دراسة المفاهيم الأشعرية وفق منهجية علمية تبين عن إجرائيتها في تقرير العقائد الدينية وبناء مسائلها. ومما اختُص به هذا المدخل العام عرضُه لظهور مفهوم الحكم العقلي في الكتابات الأشعرية بالتساوق مع إبراز أهميته الكبرى وقيمته القصوى في المذهب الأشعري. 

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

يشهد الدرس الأكاديمي في مختلف العلوم الإسلامية سوْرة الاهتمام بالمفاهيم العلمية؛ تنقيبًا في التراث العربي الإسلامي، وتأصيلًا على ضوء اللغة والوحيين، ودراسةً وفق ما استجد من الوسائل والمناهج. وهذه العناية عائدة إلى قيمتها المركزية في فهم الإنتاج العلمي والمحصول المعرفي في هذه العلوم واستيعابها وتنزيل أحكامها. 

السمــعيــات

السمــعيــات

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.

 

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونيةالسمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.