أشاعرة المشرق

سلطان العلماء
سلطان العلماء

العز بن عبد السلام علم من أعلام الإسلام، ومن كبار المفكرين في القرن السابع الهجري، أحد العلماء العاملين الذين نذروا أنفسهم للجهر بكلمة الحق، وتحملوا في سبيل ذلك العنت الكبير، ولكنهم مع كل ما أصابهم رفضوا أن يهادنوا أو يتساوموا على موقفهم فهو القائل: «ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأحمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما وأن يكتفي باليسر من رشاش غيرهما»(1).
نسبه ومولده ونشأته:
هو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن مهذب السلمي، المغربي الأصل الدمشقي ثم المصري الشافعي الملقب بسلطان العلماء وقد اشتهر بالعز بن عبد السلام(2).
واتفقت التراجم التي ترجمت له أنه ولد بدمشق، إلا أنها تردد في سنة مولده بين سنة (577م) و(578م) والاختلاف في تحديد سنة مولده ليس له كبير فائدة واتفقت على أن وفاته سنة (660هـ)(3) نشأ الإمام في أسرة رقيقة الحال فلم يتهيأ له أن يبدأ الدراسة وهو صغير والملاحظ أن كتب التراجم لم تسجل شيئا عن نشأته الأولى إلا أنه حين بدأ التحصيل أقبل عليه بهمة لا تعرف الملل.
طلبه للعلم وشيوخه:
درس الشيخ العلوم العربية والدينية بمختلف فنونها وأنواعها من نحو وبلاغة وحديث وفقه وأصول، وحضر على كبار أئمة العلم في عصره، فقد سمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن عساكر محدث دمشق ومؤرخها(4) ، ودرس الفقه على الإمام فخر الدين بن عساكر(5) ، وأخذ علم الأصول عن العالم الثقة سيف الدين الآمدي(6)، وسافر إلى بغداد عاصمة الخلافة وكعبة العلم، فتتلمذ على عدد كبير من علمائها المشهورين واستفاد من تجاربهم.
تلاميذه:
لقد وهب الله عز وجل للعز بن عبد السلام فهما عميقا وذكاء نادرا فأصبح من كبار علماء عصره حتى لقب بسلطان العلماء، وبلغ مرتبة عالية في الفقه والأصول، هذه العوامل كلها جعلته يؤسس مدرسة قائمة بذاتها؛ تخرج منها تلاميذه الذين حملوا فكره إلى الأمة وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن دقيق العيد الإمام الورع الزاهد الذي تأثر بشيخه في جرأته في قول الحق(7) ، وكذا الإمام الأصولي الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، جلال الدين الدِّسناوي(8) ، ثم عبد اللطيف ابن العز عبد السلام الذي عرفه بمعرفته الحسنة لتصانيف والده(9) ، والإمام علاء الدين أبو الحسن الباجي، أعلم الناس بمذهب الإمام الأشعري، وله الباع الواسع في المناظرة والمنطق(10) ، هؤلاء من أهم تلاميذ الإمام العز بن عبد السلام وقد تتلمذ عليه كثيرون من الصعب حصرهم.
مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه:
لقد تعددت مساهمات العز بن عبد السلام في الإفتاء والخطابة والقضاء والتدريس والتأليف، وله في كل إسهام قدم راسخة ويد بيضاء، وانتهت إليه في عصره رياسة الشافعية، وبلغت مؤلفاته أكثر من أربعين مؤلفا، وهي دليل نبوغ فد وقدرة عالية على أن يجمع بين التأليف وأعماله الأخرى.
وشملت مؤلفاته التفسير وعلوم القرآن والحديث والسيرة النبوية، وعلم التوحيد، والفقه وأصوله.
وهذه شهادة بعض العلماء:
يقول الإمام الذهبي: «وقرأ الأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرج عليه أئمة وله التصانيف المفيدة والفتاوة السديدة»(11). وقال السبكي هو: «شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، والمطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها لم ير مثل نفسه ولا رأى من رآه مثله علما وورعا في الحق وشجاعة وقوة جناد وسلاطة لسان»(12).
عقيدته:
العز بن عبد السلام على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، وقد أبان ذلك في عقيدته المسماة "ملحة الاعتقاد" التي أرسلها إلى الملك الأشرف حينما وقع الخلاف بينهما في مسألة كلام الله تعالى.
وقد ذكرها ابن السبكي في طبقاته في ترجمة العز نقلا عن ولده الشيخ عبد اللطيف.
وسأستعرض منها بعض المسائل لإيضاح اتجاه الإمام العز بن عبد العزيز في العقيدة وهي كالآتي: قال في أولها: «الحمد لله ذي العزة والجلال، والقدرة والكمال، والإنعام والإفضال الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مُقَدَّر، ولا يُشبه شيئا، ولا يُشْبهه شيء، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان، ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، فكل نعمة منه فهي فضل، وكل نقمة منه فهي عدل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} سورة الأنبياء، الآية: 23، استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسّة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محملون بلطف قدرته، مقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر، حي مريد سميع بصير قدير، متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت»(13).
ويرد على من ذهب إلى أن الله متكلم بصوت وحرف بقوله: «ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق، شكلا ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته، وحق لما دل عليه وانتسب إليه أن يعتقد عظمته وترعى حرمته، ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعباد والصلحاء؛
أمر على الديـار ديـار ليلى     ***     أقبـل ذا الجـدار وذا الجـدارا
وما حب الديار شغفن قلبي   ***     ولكن حب من سكن الديـارا
ولمثل ذلك يقبل الحجر الأسود، ويحرم على المحدث أن يمس المصحف، أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها، وجلده التي هو فيها، فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد، أو رسم من أشكال المداد»(14).
ثم قال بعد ذلك: «واعتقاد الأشعري – رحمه الله – مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون، التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات، هن الباقيات الصالحات»...إلخ(15).
ثم بعد أن فصل الكلام عن الباقيات الصالحات قال: «فهذا إجمال من اعتقد الأشعري – رحمه الله – واعتقاد السلف، وأهل الطريقة والحقيقة نسبته إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح(16).


الـهـوامــش:


(1) طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (8/209).
 (2) انظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (8/209)، وطبقات الشافعية للأسنوي (2-197) والبداية والنهاية لابن كثير (13/235)، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (3/301)، والأعلام للزركلي (4/144).
 (3) طبقات الشافعية لابن السبكي (8/209).
 (4) انظر طبقات الشافعية لابن السبكي (8/307-308)، والنجوم الزاهرة (6/285).
 (5) المصدر السابق (8/352)، و(6/186).
 (6) المصدر السابق (8/177-187) و(6/256).
 (7) راجع كتاب طبقات الشافعية (9/207).
 (8) المصدر السابق (8/20-22).
 (9) المصدر السابق (8/312).
 (10) المصدر السابق (10/339-366).
 (11) النجوم الزاهرة (7/208).
 (12) طبقات الشافعية (8/209).
 (13) المصدر السابق (8/219).
 (14) المصدر السابق (8/220).
 (15) المصدر السابق (8/220).
 (16) المصدر السابق (8/220).


                                                            إعداد الباحثة: حفصة البقالي





: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الشيخ إبراهيم اللَّقاني صاحب "جوهرة التوحيد"

الشيخ إبراهيم اللَّقاني صاحب "جوهرة التوحيد"

هو الشيخ برهان الدِّين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي بن علي بن علي بن عبد القدوس بن الولي الشهير محمد بن هارون، أبو الإمداد اللَّقاني المالكي. كان أحد الأعلام، وأئمة الإسلام المشار إليهم بسعة الإطلاع، وطول الباع في علم الحديث، المتبحر في الأحكام، إليه المرجع في المشكلات والفتاوى، وكان عظيم الهبة تخضع له الدولة مع انقطاع التردد عن الناس، وكانت له مزايا وكرامات باهرة.

 

عثمان بن عمرو ابن الحاجب المالكي الأشعري ومتن عقيدته (570 – 646هـ)

عثمان بن عمرو ابن الحاجب المالكي الأشعري ومتن عقيدته (570 – 646هـ)

هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، العلامة المحقق جمال الدين أبو عمرو، المعروف بابن الحاجب الكردي، الدويني الأصل، الإسنائي المولد، المقرئ، النحوي، الأصولي، الفقيه المالكي، صاحب التصانيف المشهورة به، ولد سنة سبعين، أو إحدى وسبعين وخمسمائة.

العالم الموسوعي: جلال الدين السيوطي

العالم الموسوعي: جلال  الدين السيوطي

هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد جلال الدين الخضيري الشافعي، ولد في رجب سنة 849هـ، وهذا ما اتفق عليه  جل من ترجم له. ظهرت على السيوطي منذ نعومة أظفاره علامات الفطنة وأمارات الذكاء، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثمان سنين، ثم حفظ بعد ذلك عمدة الأحكام، والمنهاج الفرعي في الفقه للنووي وغيرها من المتون.