مفاهيم عقدية

مفهوم الجدل عند الأشاعرة
مفهوم الجدل عند الأشاعرة

الجدل في اللغة والاصطلاح
أ - الجدل لغة: " الجيم والدال واللام أصلٌ واحدٌ، وهو من باب استحكام الشيء في استرسالٍ يكون فيه، وامتدادِ الخصومة ومراجعةِ الكلام"[1].
و"الجدل بفتحتين اسم المصدر وأصله مشتق من الجدل، ولم يسمع للجدل فعل مجرد أصلي والمسموع منه جادل والمجادلة مفاعلة من الجدل، وأما قولهم جدله بمعنى غلبه في المجادلة فليس فعلا أصليا في الاشتقاق، ومصدر المجادلة الجدال "[2].
ومادة ( الجدل) في اللغة على معانٍ عدة أهمُّها :
1. الصرع والغلبة : الجدل بفتح الدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، والجَدْل الصَّـرْع، وجَدَله جَدلاً وجَدَّله فانْجدل وتَجدَّل: صرعه على الجدالة، وهو مجدول. وقد جَدَلْتُه جَدْلاً، وأَكثر ما يقال: جَدَّلْته تَجْديلاً، وقيل للصَّريع مُجدَّل، لأَنه يُصرَع على الجَدالة "[3] . و يقال طعنه فجدله، أي رماه بالأرض، فانجدل، أي سقط. ومنه حديث معاوية أنه قال لصعصعة: ما مر عليك جدَلته، أي رميته وصرعته[4].
2. الشدة والقوة والفتل : الجَدْل شدّة الفتْل، وجَدلْت الحبل أَجدِلُه جَدْلا، إِذا شددت فَتْله وفَتلْته فَتْلاً مُحكما،... وغلام جادل مُشْتَدّ،... وجَدَل وَلَد الناقة، والظبية يَجْدُل جُدُولاً قَوِي وتَبِع أُمه، والجَادِل من الإِبل فَوْقَ الرَّاشِح، وكذلك من أَولاد الشَّاءٍ، وهو الذي قد قَوِي ومَشى مع أُمه، وجَدَل الغلام يَجْدُل جُدُولاً واجْتَدل كذلك، والأَجدَل الصَّقْر صفة غالبة وأَصله من الجَدْل الذي هو الشِّدَّة "[5].
3. الإتقان والإحكام والحسن : تقول: جدل الحبل جدلا، أي أحكم فتله وأتقنه، وجارية مجدولة الخلق، أي حسنته، والدرع المجدولة المحكمة العمل. وإِنه لَحَسن الأَدَم وحَسَن الجَدْل إِذا كان حسن أَسْرِ الخَلْق ". [6]
4. الخصومة والمناقشة و المحاجة: الجدل بالفتح اللَّدَدُ في الخُصومة والقدرةُ عليها وقد جادله مجادلة وجِدالاً ورجل جَدِل ومِجْدَل ومِجْدال شديد الجَدَل ويقال جادَلْت الرجل فجَدَلته جَدْلاً  أَي غلبته ورجل جَدِل إِذا كان أَقوى في الخِصام وجادَله أَي خاصمه مُجادلة وجِدالاً والاسم الجَدَل وهو شدَّة الخصومة [7].  والمُجَادَلَةُ : المُناظَرةُ والمخاصَمة [8].  تقول حاجَّهُ فحجَّه أي غلبه بالحُجَّةِ. وفي المثل: لَجَّ فَحَجَّ. وهو رجلٌ مِحْجاجٌ، أي جَدِلٌ. والتحاجُّ: التخاصُم[9].
5. الحالة و العزيمة والناحية:  الجَدِيلة: الحالة الأولى. يقال: القومُ على جَدِيلة أمْرِهِم: أي على حالَتِهم الأولى. ورَكِب جَدِيلَة رأيِه: أي عَزِيمَته. والجَدِيلَة: الناحِية، ومنه قول مجاهد في تفسير قوله تعالى:{قل كل يعمل على شاكلته } [الاسراء:84 ]،  قال: على جَدِيلَتِه، أي طرِيقَتِه وناحيَتِه"[10].
6. المراء: والمراء الجدال والمخاصمة: والمماراة المجادلة؛ من مرى الناقة؛ لأنه يستخرج ما عنده من الحجة، ويقال: دع المراء لقلة خيره. وقيل: المراء مخاصمة في الحق بعد ظهوره، كمرى الضرع بعد دروره، وليس كذلك الجدال[11].  وروى أبو داود وابن ماجه والترمذي واللفظ له عن أبي أمامة مرفوعا، (من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن تركه وهو محق بني له في وسطها ومن حسن خلقه بني له في أعلاها) قال الترمذي، حديث حسن، يقال: مارى يماري مماراة ومراء، أي جادل، والمراء استخراج غضب المجادل من مريت الشاة استخرجت لبنها "[12].
ب - الجدل اصطلاحا :  قال صاحب المصباح المنير : " الجدل هو مقابلة الأدلة لظهور أرجحها"[13].
  و عرفه الشـريف الجرجاني بقوله: " الجدال عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها"[14] .
  وعرَفه أبو البقاء الكفوي بأنه: "عبارة عن دفع المرء خصمه عن فاسد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنا زعة غيره"[15].    
 وعرفه طاش كبرى زاده بأنه: "علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام أي وضع أريد، أو هدم أي وضع كان، وهذا من فروع علم النظر، ومبنى علم الخلاف، وهذا مأخوذ من الجدل، الذي هو أحد أجزاء المنطق، لكنه خص بالعلوم الدينية "[16].
وعرفه أبو يحيى زكريا الأنصاري فقال: " الجدل  دفع العبد خصمه عن إفساد قوله بحجة قاصدا به تصحيح كلامه "[17].
وعرفه أبو المعالي الجويني بأنه: "إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة، أو ما يقوم  مقامها من الإشارة والدلالة "[18].
أما الإمام أبو الوليد الباجي فعرفه بأنه: "تردد الكلام بين اثنين قصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه"[19].
وعرفه ابن خلدون بأنه: "معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها، إلى حفظ رأي  أو هدمه، كان ذالك الرأي في الفقه أو غيره"[20].
الجدل عند أبي الحسن الأشعري: قال الإمام ابن فورك  محددا ما ذهب إليه أبو الحسن الأشعري في معنى الجدل[21]: "فأما النظر إذا كان بمعنى الجدل، فقد يكون في حال واجبا وفي حال ندبا وتطوعا، وذلك عند استرشاد مسترشد وطعن طاعن لتنبيه غافل، وتبيين طاعن خلاف ما يتوهمه فينكشف له الحق بدلائله، ويتضح له وجهه بإمارته اللائحة.
وذلك هو ما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم وحث سائر الخلق على الإقتداء به فقال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}[النحل:125]، وقال تعالى في آية أخرى: {ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}[ العنكبوت:46] ؛ حيث أبان بأن المجادلة بالأحسن هي الحسنى، وهي الطريقة المثلى، وأن ما كان بخلافها مذموم، وهو ما ذكره: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون}[ الزخرف:58]. وأما قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}[الأنعام:68]، فهو فيمن قد أونس من رشده، وظهر عناده، وتبين زيغه، وانقطع عذره، وقامت الحجج عليه..."
وكان يقول [أي أبو الحسن الأشعري]: "إن الجدل والنظر يتفقان فيه، فهو أن المجادل مناظر ومفكر ومستعمل لما يؤدي إليه فكره، والوجه الذي يختلفان فيه فهو أن الجدل لا يصح إلا من اثنين، والنظر قد يصح من واحد، لأنه قد يكون فكره اعتبارا وتأملا واستدلالا.
وأصل معنى الجدل مأخوذ من جدلت الحبل إذا فتلته، وأحكمت فتله، ومنه يقال درع مجدولة ومنه يقال للحبل الجديل، وذلك بمعنى مجدول كما يقال:  قتيل بمعنى: مقتول، وخضيب بمعنى: مخضوب.
فعلى هذا التأويل كان المناظر إذا جادل فإنما غرضه إحكام طريقته، ولي صاحبه عما يقوله، وفلُّه عنه إلى غيره، وأما إذا كان من جدلته إذا ضربته على الجدالة وهي الأرض، فتأويل المجادلة كتأويل المصارعة، لأن المناظر لصاحبه كالمصارع له المغالب يروم أن يغلبه في كلامه ويرفعه عن طريقته".
أقسام السؤال الجدلي:
ذهب الإمام الجويني إلى أن السؤال الجدلي ينقسم في المشهور إلى أربعة أقسام وهي :
" السؤال عن المذهب، و السؤال عن ماهية المذهب، و السؤال عن الدلالة، والسؤال عن وجه الدلالة ."[23]
أما الإمام أبو الوليد الباجي فعد الأسئلة أقساما ستة على النحو الآتي :
" الأول : السؤال عن إثبات مذهب المسؤول .
الثاني : السؤال عن ماهية المذهب .
الثالث : السؤال عن دليل المذهب .
الرابع : السؤال عن وجه الدليل .
الخامس : السؤال عن وجه القدح في الدليل .
ثم قال، وعلى مذهب من أجاز التقليد تكون الأسئلة ستة . فالثالث : السؤال : هل له دليل في المسألة أم هل يقلد فيها ؟ "[24]

 

                                                                       إعداد الباحث: يوسف الحزيمري

 

الهوامش:


[1] - معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج : 1 ص : 433 – 434  تحقيق عبد السلام محمد هارون دار الفكر طبعة 1399 هـ  1979 م
[2]- تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ج : 5 ص: 194
[3]- لسان العرب مادة جدل
[4]- النهاية في غريب الحديث والأثر-أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري تحقيق : طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي المكتبة العلمية - بيروت، 1399هـ - 1979م
[5]- لسان العرب لابن منظور مادة جدل
[6]-  نفسه
[7]- لسان العرب مادة جدل
[8]- النهاية في غريب الحديث والأثر، ج:1، ص : 247  
[9]- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية  أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ) ج: 1 ص : 304 تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار  دار العلم للملايين – بيروت الطبعة: الرابعة 1407 هـ‍ - 1987م
[10]-  النهاية في غريب الحديث ج : 1 ص : 707
[11]- الفائق في غريب الحديث والأثر أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ) ج : 2 ص : 232 تحقيق : علي محمد البجاوي -محمد أبو الفضل إبراهيم دار المعرفة – لبنان الطبعة: الثانية
[12]- التقرير والتحبير في علم الأصول الجامع بين إصطلاحي الحنفية والشافعية ج:3، ص:380، لمحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان بن عمر بن محمد دار الفكر بيروت،  الطبعة الأولى 1996 تحقيق مكتب البحوث والدراسات
[13] المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ج : 1 ص : 93 المكتبة العلمية - بيروت
[14]- التعريفات علي بن محمد بن علي الجرجاني تحقيق إبراهيم الأبياري ص : 101 دار الكتاب العربي بيروت 1405 الطبعة الأولى
[15]- الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية  ص : 353  لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي تحقيق : عدنان درويش - محمد المصري دار النشر : مؤسسة الرسالة - بيروت - 1419هـ - 1998م.
[16]- مفتاح السعادة ومصباح السيادة ج : 1 ص : 281 دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1405هت 1985م
[17]-  الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة لأبي يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري تحقيق د. مازن المبارك ص 73  دار الفكر المعاصر،بيروت الطبعة  الأولى 1411هـ
[18]- الكافية في الجدل لأبي المعالي الجويني ص : 21 تحقيق الدكتورة فوقية حسين محمود طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه 1399 هـ  1979 م
[19]-  المنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي تحقيق عبد المجيد تركي ص : 11 دار الغرب الإسلامي الطبعة الثالثة 2001
[20]- مقدمة ابن خلدون ص : 220 دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1413هـ 1993 م
[21] - مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، لمحمد بن الحسن بن فورك، تحقيق أحمد عبد الرحيم السايح مكتبة الثقافة الدينية،ط2 2006م.،ص:309-310
[22]- مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري،ص:310-311
[23]-  الكافية في الجدل ص : 77
[24]- المنهاج في ترتيب الحجاج ص : 34



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

الحكم العقلي في المذهب الأشعري

يشهد الدرس الأكاديمي في مختلف العلوم الإسلامية سوْرة الاهتمام بالمفاهيم العلمية؛ تنقيبًا في التراث العربي الإسلامي، وتأصيلًا على ضوء اللغة والوحيين، ودراسةً وفق ما استجد من الوسائل والمناهج. وهذه العناية عائدة إلى قيمتها المركزية في فهم الإنتاج العلمي والمحصول المعرفي في هذه العلوم واستيعابها وتنزيل أحكامها. 

السمــعيــات

السمــعيــات

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.

 

السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونيةالسمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد :«السمع: الأذن»، وقال ابن منظور:«السمع: حس الأذن». والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني" كما ذكر الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه كبرى اليقينيات الكونية.

الاستدلال بالشاهد على الغائب عند الأشاعرة

الاستدلال بالشاهد على الغائب عند الأشاعرة

اعتمد المتكلمون، ومن بينهم الأشاعرة مسلكا رئيسيا في الاستدلال؛ هو الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد، فما هو مفهومه عندهم؟ المقصود بالشاهد في علم الكلام؛ أنه هو المعلوم بالحس أو باضطرار، وإن لم يكن محسوسا. والمقصود بالغائب؛ أنه هو ما غاب عن الحس، ولم يكن في شيء من الحواس.والاستدلال بالشاهد على الغائب في اللغة يُقصد به - كما ورد في أغلب الدراسات حوله - أنه استدلال بما يشاهده الحس على ما لا يشاهده...