دراسات أشعرية

المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري
المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري

حاول الدكتور وليد جبار إسماعيل العبيدي تتبع سمات نتاج المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري، من خلال بحث قسمه إلى سبعة مباحث. وقد جاء في مقدمة هذا العمل قوله: «يمثل القرن الثامن الهجري ذروة نتاج المدرسة الأشعرية من حيث الضبط والصياغة المذهبية والدقة الفلسفية وتحقيق المسائل وتوضيحها، وظهور مفكرين وعلماء بارزين طبعوا علم الكلام بطابعهم وأسلوبهم، حتى صاروا حلقة الوصل بين من سبقهم ومن جاء بعدهم.. مما يعطي الدليل على سعة آفاقهم وعلومهم في طرح الأفكار وإيصال المعنى من غير تشويش ولا تشكيك، بأسلوب عقلاني بعيد عن التعصب والتشدد.. ولا أبالغ أن المدرسة الأشعرية قد أخذت إطارها الفلسفي النهائي في هذا العصر، وصار أعلام هذا العصر هم الذين يُعلق ويُشرح كلامهم، فما من عالم ولا متكلم جاء بعد القرن الثامن الهجري إلا وجعل علماء هذا العصر المرجع والسند والحجة في شرح وتوضيح الأفكار والآراء الكلامية للمدرسة الأشعرية، ومن هنا جاءت أهمية هذا البحث..».
ثم تطرق الباحث في المبحث الرابع لذكر أبرز أعلام المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري، وذكر منهم:
1- عضد الدين الإيجي (ت756هـ)، وأهم آثاره العلمية: كتاب"المواقف" و"الجواهر" و"العقائد العضدية" و"شرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه".
2- سعد الدين التفتازاني (793هـ)، وتشير المصادر إلى أن التفتازاني من طلاب الشيخ الإيجي والقطب الرازي، ومن مصنفاته: "شرح المقاصد" و"شرح النسفية" و"المطول"، وقد طبعا- هو والإيجي قبله- علم الكلام في القرن الثامن الهجري بطابعهما وأسلوبهما الفلسفي، ومثَّلا ذروة إنتاج الفكر الأشعري من حيث الضبط والصياغة المذهبية والدقة الفلسفية..
3- الشريف الجرجاني (ت816هـ)، وكان له الدور الفعال من خلال ما تركه من مصنفات زادت على الستين مصنفا في شتى الفنون..
يقول الباحث معلقا-بعد ذلك-: «ومن الملاحظ حول من برز من علماء هذا العصر(القرن الثامن الهجري) ما يأتي:
-    إن العلماء في هذا العصر علماء موسوعيون في شتى مجالات العلوم الشرعية، قد أبدعوا وأثْرَوْا المكتبة الإسلامية بجميع المجالات، إذ لم يدعوا علما من العلوم الشرعية إلا وكان لهم فيه باع وأثر كبير؛ حيث نرى العالم منهم متكلما وفقيها ومفسرا ولغويا وبلاغيا ومحدثا وأصوليا، مما يدل على سعة علمهم وتشعب تفكيرهم..
-    ويجدر بنا أن نقول أن علماء هذا العصر (القرن الثامن الهجري) مع كبير شأنهم وسعة علمهم وتشعب أفكارهم ومرجعيتهم؛ هم محققون لآراء من سبقهم من الأعلام والباحثين.. ولهذا السبب ترجع أهمية هذا العصر، وذلك لكونه مرحلة للتدقيق والتحقيق في كلام السابقين».
أما في المبحث الخامس فقد انصب اهتمام الباحث على تتبع أثر الفلسفة في علم الكلام عند متكلمي القرن الثامن الهجري، مبتدئا بذكر دور الإيجي قائلا: «إن المطلع والمتخصص في هذا العلم يجد أن القرن الثامن الهجري يعتبر ذروة نتاج الفكر الأشعري من حيث الضبط والصياغة المذهبية بأسلوب فلسفي بحت.. وكان العلامة الإيجي من أبرز من رسخ هذا الخلط بين الفلسفة وعلم الكلام، حيث يُعد كتاب المواقف من أبدع ما أنتج الفكر الأشعري؛ حيث دمج الآراء الكلامية والفلسفية بصيغة متينة، فقد جعل كتابه يشمل الكثير من المباحث الفلسفية حتى صار ما يتعلق بالأمور العقائدية مقتصرا على موقفين، وذلك لأن "كتاب المواقف" منقسم إلى ستة مواقف: الأول في المقدمات، والثاني في الأمور العامة، والثالث في الأعراض، والرابع في الجوهر، وقد توسع الإيجي في كل موقف من هذه المواقف، وأما الموقف الخامس فقد كان في الإلهيات، والموقف السادس في السمعيات، ولم يتوسع الإيجي في الموقفين الأخيرين كما توسع في المواقف السابقة. وقد تسابق الأعلام على شرحه- في عصره ومن بعده- وعلى تحريره وتحقيق مسائله، حيث يعتبر شرح السيد الشريف الجرجاني لكتاب المواقف من أعظم وأكبر الشروح في علم الكلام..».
ثم انتقل إلى عرض دور السعد التفتازاني موردا قوله: (الفلسفة نقلت إلى العربية وخاض فيها الإسلاميون لأجل الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلط العلماء كثيرا من هذه الفلسفات بعلم الكلام، حتى يقتدروا بذلك على إبطالها، فأدرجوا في علم الكلام معظم الطبيعيات والإلهيات وخاضوا كذلك في الرياضيات)[1]، ثم علق عليه قائلا: « ففي كلام التفتازاني هذا إشارة واضحة إلى سبب إدراج علماء الكلام المقدمات الفلسفية والقضايا المنطقية في هذا العلم، وذلك حتى يُقَوُّوا طالب العلم على الرد على المتفلسفة وأصحاب الأهواء..فأدرجوا أمثال هذه المباحث كي يطلع عليها علماء الإسلام ويعلموا ما فيها من ضعف وهشاشة كما فعل الغزالي والرازي وغيرهما..»
ويضيف الباحث كذلك: «ومن الجدير بالذكر أن المنهج الفلسفي لعلم الكلام ابتعد كثيرا عن مفهوم العقيدة الإسلامية، وذلك لتوسع المؤلفين في ذكر المباحث الفلسفية من الأمور العامة والماهية ولواحقها وغيرها، ولهذا وجدنا أعلاما أمثال الإمام السنوسي (ت895هـ/1489م) الذي هو امتداد للمدرسة الأشعرية في القرن التاسع الهجري يوصي بترك أمثال هذه الكتب، وذلك لابتعادها عن موضوع العقيدة..»[2]
أما المبحث السابع فقد حاول الباحث فيه تتبع أثر علماء المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري من خلال عرض أهم الكتب المؤلفة فيه، يقول: «يعتبر القرن الثامن الهجري ذروة نتاج مفكري المدرسة الأشعرية كما سبق ذكره، وذلك من حيث الضبط والصياغة المذهبية والدقة الفلسفية وتحقيق المسائل وتوضيحها.. فالعلامة الإيجي صاحب المصنفات الكثيرة كالعقائد العضدية المشهورة والغنية عن التعريف- فقد وضع على هذا الكتاب العشرات من الشروح والتعليقات، منها شرح العلامة التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني وجلال الدين الدواني وغيرهم كثير..[3]، كذلك كتابه المواقف في علم الكلام؛ فقد تنافس العلماء على شرحه؛ ومنهم شمس الدين محمد الكرماني وسيف الدين البهري والمولى علاء الدين الطوسي وحيدر الهروي والعلامة السيد الشريف الجرجاني..[4]، ولا ننسى العلامة سعد الدين التفتازاني وأثره في عصره وفيمن جاء بعده؛ فشرحه على العقائد النسفية صار كتابا منهجيا يقرأ ويعتمد في الكثير من المدارس والجامعات الإسلامية، لما فيه من دقة ومعان جمة..[5]
فهذه أمثلة بسيطة على دور مفكري المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري في عصرهم وفيمن جاء بعدهم، وهم بحق يمثلون حلقة الوصل بين السابقين واللاحقين، لما لهم من ثروة فكرية وعلمية لا تنكر..».
[المدرسة الأشعرية في القرن الثامن الهجري- الدكتور وليد جبار إسماعيل العبيدي-مجلة كلية الإمام الأعظم-قسم نينوى/بغداد-العدد الثاني-السنة الثانية/2006]




الهوامش:


[1] التفتازاني-شرح النسفية-الشركة العثمانية-الطبعة الأولى/1326هـ- ص:17  
[2] شرح السنوسية-أبو عبد الله السنوسي- دار إحياء الكتب العربي-مطبعة البابي الحلبي(بدون تاريخ)-ص:71  
[3] التفتازاني-شرح النسفية-ص:128-180-182-187
[4] ذكر الباحث مجموعة من الشروح والتعليقات والتحقيقات والحواشي على هذا الشرح منها:
-حاشية القاضي شمس الدين البساطي(ت842هـ)
- حاشية المولى خضر شاه بن عبد اللطيف(ت860هـ)
- حاشية المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري(ت886هـ)
- حاشية محيي الدين محمد بن الخطيب(ت901هـ)، وغيرها..
[5] ذكر الباحث مجموعة من الشروح والتعليقات والتحقيقات والحواشي على هذا الكتاب منها:
- شرح الشيخ محمد الشهير بابن فراس الحنفي(ت932هـ)
- حاشية مصلح الدين القسطلاني(ت901هـ)
- حاشية الشيخ محمد بن قاسم الغزي الشافعي(ت918هـ)، وغيرها..

 

                                            إعداد: الباحث منتصر الخطيب



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف...

- على سبيل التقديم:
لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف، يقول القاضي عياض في مقدمته: (فإنك كررت علي السؤال في مجموعٍ يتضمن التَّعريفَ بقدر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وما يجب له من توقير وإكرام، 

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

في بحث سابق حاولت فيه تتبع مواقف المتكلمين الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي، وقع اهتمامي بأحد أعلامهم وهو "أبو الحجاج يوسف المكلاتي" الذي عاصر ما بين مولده ووفاته (ولد حوالي سنة 550هـ، وتوفي سنة 626هـ) دولة الموحدين التي ظهرت في أعقاب سقوط دولة المرابطين في النصف الأول من القرن السادس الهجري.

إصدار جديد في علم العقائد

إصدار جديد في علم العقائد

ضمن سلسلة مؤلفات القاضي أبي بكر بن العربي المعافري، صدر مؤخرا كتاب: "المتوسط في الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد" للقاضي، ضبط نصه وخرج أحاديثه ووثق نقوله الدكتور "عبد الله التوراتي"، وهو من منشورات دار الحديث الكتانية للطباعة والنشر والتوزيع.