دراسات أشعرية

صفحات من عناية المرأة المسلمة بالدرس العقدي
صفحات من عناية المرأة المسلمة بالدرس العقدي

حضور المرأة المهتمة والعالمة في الإنتاج العلمي في الحضارة الإسلامية، هو حضور مشرق ومشرف، شمل مختلف العلوم الإسلامية بما في ذلك علم الكلام أو العقيدة، حيث نجد اهتمام المرأة المسلمة منصبا على تعلم عقيدتها وما تتعبد الله به، ومن ثم تطلب من العلماء أن يضعوا لها تأليفا في العقيدة يكون لها مرجعا تؤول إليه وتعتمد عليه فيما تصحح به عقيدتها.
ومن مظاهر هذا الاهتمام نجد الإمام أبا بكر الباقلاني يضع مؤلفا عقديا يعتبر من أهم مراجع العقيدة في الدرس الأشعري، إجابة لالتماس فاضلة خيرة: ذكر ما يجب على المكلفين اعتقاده ولا يسعهم الجهل به، حيث يقول عن سبب تأليفه للكتاب في مقدمته: "أما بعد: فقد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية أحسن الله توفيقها لما تتوخاه من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه، واعتماد القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين، واتباع السلف الصالح من المؤمنين، من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين به المرء صار إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض، وإني بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته وطوله، أذكر لها جملاً مختصرة تأتي على البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها عن الطلب، واشتغال الهمة بما سواه، فنقول وبالله التوفيق..."[1].
     فهو على جلالة قدره في علم الكلام، يؤلف مؤلفا من أهم كتب العقيدة إجابة لطلب امرأة، يشي بمدى حرص المرأة على عقيدتها أن تشوبها بدعة أو يداخلها ضلال أو زيغ.
 وفي نفس المظهر من الاهتمام والحرص نجد إماما آخر، وهو أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي (564 هـ/1169م) من سكان فاس، يضع عقيدة مختصرة سميت بالبرهانية بطلب امرأة أخرى تسمى"خيرونة" (تـ594هـ).
و"خيرونة" هذه امرأة أندلسية زاهدة تعاطت للعلم والدراسة، وأرادت أن تتعلم من أمور الكلام ما يجعل عقيدتها في مأمن من الانحراف والزيغ، فرغبت إلى السلالجي-شيخ الفاسيين في علم الاعتقادات- أن يكتب لها عقيدة مختصرة وافية بمطلوبها[2]... وعن أسباب تأليف هذه العقيدة البرهانية يقول ابن مومن تلميذ السلالجي: "كان بمدينة فاس امرأة تسمى خيرونة، وكانت من الصالحات القانتات الزاهدات الغافلات المؤمنات، وكانت تعظمه وتوقره وتلزم مجلسه، فرغبت إليه أن يكتب لها في لوحها شيئا تقرأه على ما يلزمها من العقيدة، فكان يكتب لها في لوحها فصلا متى كلفته ذلك، فكانت تحفظه، فإذا حفظته ومحته كتب لها لوحا ثانيا، فكان ذلك دأبها حتى كملت عقيدة وكتبتها وكتبت عنها ولقبت بالبرهانية وصارت بأيدي الناس كثيرا"[3].
وهكذا أصبحت المرأة من أهم حلقات السند في رواية العقيدة البرهانية، "هذه العقيدة المختصرة التي فعلت في الفكر العقدي المغربي ما لم تفعله المؤلفات الضخمة، وأثرت فيه بما لم تؤثره الكتب المطولة"[4].
إن ظهور العقيدة البرهانية التي شاء لها صاحبها أن تكون عقيدة للنساء خاصة من خلال وضعها لامرأة بعينها، وجدت تربة مهيأة كي تبوئها مكانة كبيرة ومهمة داخل حقل الثقافة الأشعرية في الغرب الإسلامي، ويكفي أن نشير إلى عدد الشروح التي وضعت لها، والتي اكتسبت أهمية بالغة في عملية تطور المذهب الأشعري هنا"[5].
كما نجد في إطار تقريب العقيدة للنساء إماما آخر لا يقل أهمية عن سابقيه، يعد من أكابر علماء الدرس العقدي الأشعري بالغرب الإسلامي، والذي ما يزال تأثير كتبه العقدية ساري المفعول إلى عصرنا الحاضر، إنه الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (895هـ) يضع عقيدة مختصرة صغيرة يخصصها للنساء؛ زوجته وبناته وسائر بنات المسلمين، تكون مختصرة وبسيطة، سميت في بعض نسخها بـ"المفيدة للولدان والنساء المؤمنات" وشهرت بالحفيدة، وقد قام بشرحها عدد من العلماء منهم محمد بن الحسن بن عرضون الزجلي الغماري (تـ1012هـ)، وأبو عبد الله محمد بن محمد الحفصي المراكشي التونسي، وأبو محمد حسين بن محمد ابن شرحبيل الدرعي، كما نظمها وشرحها محمد بن محمد بن أبي الغيث دخان حيث قال في نظمها: "وبعد فهذا نظم محمد بن أبي الغيث المعروف بدخان لعقيدة السنوسي المسماة بعقيدة النساء:[6]
           قــــــال محـمــــــد عبيــــد الله*** هــو دخـان راجــي الإله
           مستوهب الفتـح من القدوس*** لنظمنـا عقيـدة السنوسي
           أعنــي بهـا عقيـدة النســــــاء ***مبتديـا بالحمد والثنــــاء
ذكرنا هذا التعريف بالعقيدة وشروحها للدلالة على مدى الاهتمام الذي حازته المرأة في مجال التقريب العقدي للعامة.
وضمن هذا التقريب نجد أيضا الإمام سيدي عبد القادر بن علي الفاسي (ت1091هـ) يهدف إلى وضع مختصر عقدي ليسهل تعليم العقيدة للنساء والصبيان، فقد ألف كتاب "عقيدة أهل الإيمان"، حيث جاء في آخرها: "فهذا سرد عقيدة الإيمان، موضوعة لمن أراد تعليمها للنساء والصبيان، مصونة عن شبه أهل الزيغ والخذلان، خالية عن تقرير الدليل والبرهان"[7].
وإلى أبعد من مجرد طلب تأليف الكتب في الدرس العقدي من العلماء، نجد المرأة المسلمة العالمة، تُقدم على التأليف في علم يعد من أصعب العلوم الشرعية، وبطريقة النظم الذي لا يتقنه كل أحد، ومثال ذلك نظم  في العقيدة "العشرون الواجبة" بقلم العالمة الفقيهة مريم الجكنية[8]، وهو نظم عقدي غاية في النفاسة إذا قورن بعشرات المنظومات المشرقية والمغربية التي نظمها علماء كبار، ومن بديع ما ورد في نظمها ما يتعلق بصفة الكلام حيث قالت[9]:
ثُمَّ الكَلامُ صِفَـــــةٌ عظِيمَــة ** واجِبَـــة لرَبِّنــــــا قَدِيمَـــــة
تُنَافِي للسُّكـــوتِ والآفـــات ** لَيْسَتْ بِأَحْرُف ولَا أَصْـوَات
ولا لها إعرابٌ أو تقديـــــــمُ ** أو ضِـــدُّ ذا تنـــزَّهَ القَدِيـــمُ
على نحو ذلك مِن الصـــفات ** اللَّازمـات بِكـــلام الـــذَّات
وما به خيـالُ جاهِــــل بُهِـــتْ ** مِن أنّه كلَّم مُوسَى وسكَتْ
فهو جَهْل واعتقـــادُه جُحــود ** جَلَّ الإلَهُ عَنْ سُكوتٍ وحدود
فهذه صفحات مشرقة تدل على عناية المرأة بالدرس العقدي، واهتمام العلماء نزولا عند هذه العناية بالتقريب والتسهيل بوضع العقائد المختصرة والمبسطة لها.





الهوامش:


[1] الانصاف، الباقلاني، تصحيح زاهد الكوثري، ص:12.
[2] نفسه، ص:185.
[3] ابن مومن بغية الراغب عن المديوني الشرح 60-61 نقلا عن عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية، الدكتور جمال علال البختي، ص:186.
[4] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية، الدكتور جمال علال البختي، ص:184.
[5] نفسه.
[6] ثلاث عقائد أشعرية للإمام، أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني،  دراسة وتحقيق: الدكتور خالد زهري، ص:79.
[7] عقيدة أهل الإيمان، لعبد القادر الفاسي، طبعت طبعة حجرية ونشرت حديثا بعناية  الباحث نزار حمادي.
[8] هي والدة الشيخ عبد الله بن الإمام، كانت عالمة تحفظ كثيراً من المتون الفقهية وتفتي النساء في الحج والحيض، ولها ألفية في السيرة ولها منظومات فقهية لبعض المسائل والنوازل، وكانت تشرح ألفية ابن مالك لبعض تلاميذة ابنها إذا لم يكن في البيت. بتصرف من بحث الشيخ محمود بن محمد المختار الشنقيطي، لماذا الشناقطة يحفظون؟، مجلة البيان، ع: 135،(السنة: 13)، ذو القعدة - 1419هـ/مارس - 1999م.
[9] من مخطوطة "نظم العشرون الواجبة" ضمن مجموعة من المخطوطات الموريتانية المتواجدة بجامعة فريبورغ، رقم: 2043.

 

                                        إعداد الباحث: يوسف الحزيمري

      







: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في نسقية الخطاب الأشعري

قراءة في نسقية الخطاب الأشعري

موضوع النسقية العامة للخطاب الأشعري هي محور كتاب المفكر المغربي "سعيد بنسعيد العلوي" الموسوم: "الخطاب الأشعري: مساهمة في دراسة العقل العربي والإسلامي"، وقد سعى فيه المؤلف إلى الكشف عن الآليّات المعرفية التي تحكم الخطاب الأشعري في العصر الوسيط – تاريخ ترسيم الأشعرية بالمغرب-، وذلك من خلال البحث في المنهجية العامة للفكر الأشعري، ورصد آليات خطابه وتتبع أدواته المعرفية.

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف...

- على سبيل التقديم:
لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف، يقول القاضي عياض في مقدمته: (فإنك كررت علي السؤال في مجموعٍ يتضمن التَّعريفَ بقدر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وما يجب له من توقير وإكرام، 

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

في بحث سابق حاولت فيه تتبع مواقف المتكلمين الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي، وقع اهتمامي بأحد أعلامهم وهو "أبو الحجاج يوسف المكلاتي" الذي عاصر ما بين مولده ووفاته (ولد حوالي سنة 550هـ، وتوفي سنة 626هـ) دولة الموحدين التي ظهرت في أعقاب سقوط دولة المرابطين في النصف الأول من القرن السادس الهجري.