دراسات أشعرية

نشأة أمهات الفرق الكلامية من خلال كتاب: "مقالات الإسلاميين"
نشأة أمهات الفرق الكلامية من خلال كتاب: "مقالات الإسلاميين"

يمكن القول بأنه مع مقدمة الأشعرى لكتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" يبدأ التأليف (المنهجي) في فرع مقالات الفرق الدينية. فكان أجمع هذه الكتب وأبسطها في مقالات الناس المختلفين في أصول الدين. وهو يستهله ببيان هذا الفرع باعتبار أن الإلمام به شرط أساسي لمعرفة الديانات بصفة عامة والتمييز الصحيح بينها، حيث يقول: « أما بعد، فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به، وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين، فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار..»[1].
افتتح الأشْعَرِيُّ كتابه -بعد خطبته القصيرة- بحديث موجز عن تاريخ الخلاف في الأمة الإسلامية، فذكر أول اختلاف وقع فيها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخلاف على الإمامة، في حادث (السَّقِيْفَة)، ثم الخلاف في عهد عثمان، وعهد علي رضي الله عنهما، ثم أفضى إلى موضوع كتابه. يقول أبو الحسن الأشعري: «اختلف الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة ضلَّلَ فيها بعضهم بعضا، وبرِئَ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم. وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله عز وجل ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة. وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر، أن الإمامة لا تكون إلا في قريش.. فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين.. ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه، واجتمعوا على إمامته، واتفقوا على خلافته.. ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليه وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالا كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروا عليه اختلافا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين.. ثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.. ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهما وحربهما إياه، وفي قتال معاوية إياه، وصار علي ومعاوية إلى صفين وقاتله علي حتى انكسرت سيوف الفريقين ونصلت رماحهم وذهبت قواهم..»[2]، ثم نزعوا إلى التحكيم وأبى أهل العراق إلا خلع علي وإكفاره بالتحكيم وخرجوا عليه فسُمُّوا خوارج..
وفى هذا يؤكد الأشعرى أن أول خلاف وقع بين المسلمين عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، كان حول مسألة الإمامة. لكنهم تداركوا الأمر بسرعة، وأجمعوا على تولية أبى بكر الصديق. ويذكر الأشعرى أنه لم يحدث خلاف في عهد أبي بكر، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب. أما الخلاف الثاني فكان هو الذي وقع في نهاية عهد عثمان بن عفان، حيث أنكر عليه البعض بعض أفعاله، كما اختلفوا أيضًا في أمر مقتله، فرأى البعض أنه لم يقتل ظلما وعدوانا. أما الخلاف الأهم، والذي كانت له آثاره الحاسمة على تاريخ المسلمين كله، فهو الذي بدأ مع خلافة علي بن أبي طالب. ومن المعروف أن جيشه خاض حربيْن ضد المسلمين أنفسهم؛ الأولى في موقعة الجمل ضد طلحة والزبير، وناصرتهما السيدة عائشة (أم المؤمنين)، والثانية في موقعة صفين ضد معاوية وعمرو بن العاص. وإذا كان انتصار علي بن أبي طالب قد تأكد في الموقعة الأولى، فإن الموقعة الثانية كانت نهاية حقيقية لأتباعه. وفيها حدث الانشقاق الخطير في صفوف بعضهم، وهم الذين أطلق عليهم اسم "الخوارج".
- وقد عُرِفَ كتاب الأشعري قديماً، فقد أشار إليه الأشعري نفسه في بعض كتبه بقوله: «…وألفنا كتاباً في مقالات المسلمين يستوعب جميع اختلافاتهم ومقالاتهم»، كما ذكره ونقل عنه وأحال إليه كثيرون، منهم: ابن عساكر والرازي  وتاج الدين السُّبْكِيّ  وعَضُد الدين الإيجي وابن تَيْمِيَّة  وابن قيم الجوزية وابن فرحون والذهبي وابن جماعة والبغدادي وغيرهم.. [3]
- وعن هذا الكتاب يقول ابن تيمية رحمه الله: «.. وهو أجمع كتاب رأيته في هذا الفن، وقد ذكر فيه ما ذكر أنه مقالة أهل السنة والحديث، وأنه يختارها، وهي أقرب ما ذكره من المقالات إلى السنة والحديث، لكن فيه أمور لم يقلها أحد من أهل السنة والحديث ونفس مقالة أهل السنة والحديث لم يكن يعرفها، ولا هو خبير بها، فالكتب المصنفة في مقالات الطوائف التي صنفها هؤلاء ليس فيها ما جاء به الرسول وما دل عليه القرآن، لا في المقالات المجردة، ولا في المقالات التي يذكر فيها الأدلة فإن جميع هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف وذموه» [4].
- توزع كتاب "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري بين قسمين أساسيين، في الأول ساق الفرق الإسلامية وبيَّن مذهبها وأقوالها، وفي القسم الثاني ساق المسائل الدقيقة التي وقع فيها الخلاف بين الفرق (وأكثرها خلافات بين المعتزلة خاصة).
- وقد قسم الأشعريّ أمهات الفرق الإسلامية إلى عشر فِرَق:
1. الشيعة، ويذكر الأشعري أن أقسام الشيعة ثلاثة هي :
* الغالية (15 فرقة).
* الإمامية أو الرافضة (24 فرقة).
* الزيدية (6 فرق). يقول أبو الحسن الأشعري: «فالشيع ثلاثة أصناف؛ وإنما قيل لهم: الشيعة لأنهم شيعوا عليا رضوان الله عليه، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم»[5]. ويذكر من اختلافهم وأقوالهم في التجسيم والأسماء والصفات والبداء وخلق أعمال العباد والإرادة والاستطاعة والتولد، واختلافهم في أفضل الأنبياء وتفضيل علي على سائر الصحابة،  واختلافهم في الإمام والإيمان والكفر والوعيد وإبطال الخروج وفي الإنسان والجزء الذي لا يتجزأ والطفرة.. إلى غير ذلك من أمور الاختلاف..»[5].
 2. الخوارج، يذكر لهم (14) فرقة يتفرع من الثالثة (15) فرعا، وتتفرع من السادسة (4) فروع، ومن الثامنة (فرعان)، وهكذا يصل المجموع إلى (35) فرقة. ومن أقوالهم يذكر أبو الحسن الأشعري: « أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أن حكَّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات، فإنها لا تقول ذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النجدات أصحاب نجدة»[6]. وذكر اختلافهم في الأطفال والإيمان والكفر والوعيد، وقولهم في التوحيد والقرآن والإرادة والقدر..
 3. المرجئة، وذكر أن أول مقالاتهم اختلافهم في الإيمان، وأنهم اثنتي عشر فرقة، أما باقي اختلافاتهم فهي اختلافهم في الفاسق والكفر والمعاصي وتخليد الكفار في النار، واختلافهم في القرآن والتوحيد والتشبيه والرؤية والماهية والقدر والأسماء والصفات.   
 4. المعتزلة، أما المعتزلة، فلا يذكر لهم الأشعري أي فرقة، لأنه يركز اهتمامه على أقوالهم وآرائهم التي كانت تقسمهم أحيانا إلى فرقتين أو أكثر، لكنهم كانوا يجتمعون على مسائل أخرى في شبه إجماع. وأهم اختلافهم يرجع على القول في التوحيد والمكان والرؤية والصفات والأسماء، واختلافهم في القول بخلق القرآن، واختلافهم وقولهم في القدر والاستطاعة والصلاح والأصلح من الأفعال والنعيم والعذاب، وذكر اختلافهم في الإيمان والكفر والوعيد والنبوة والمعجزة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 5. الجهمية، وبالنسبة إلى الجهمية، يقسمها الأشعري إلى قسمين: قسم ينفرد بأتباع جهم بن صفوان نفسه، والقسم الآخر يتبع ضرار بن عمرو ويسمى الضرارية.
 6. الضرارية والحسينية، أتباع الحسين بن محمد النجار.
 7. البكرية، أصحاب بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد.
 8. العامة، وذكر أنهم قوم من النساك، وهذه الفرق الأربعة الأخيرة لم يخصص لها الأشعري كبير بحث وإنما اكتفى فيها بذكر أقوالهم فقط.
 9. أصحاب الحديث، وهي فرقة أهل الحديث، ويذكر أبو الحسن الأشعري حديثا مفصلا عن اعتقاداتهم التي يخالفون بها سائر الفرق الأخرى، وجاء في عنوان هذه الفقرة قوله: «هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة»[7]، ثم بدأ بسرد اعتقاداتهم في الوحدانية والإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله  وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر والجنة والنار والإيمان بسائر الغيبيات التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
 10. الكُلابية، ثم ذكر قول عبد الله بن كلاب في الصفات. وختم كتابه بذكر بعض اختلافات بعض الفرق في بعض المسائل في العدل والقدرة والأجسام.. وغير ذلك.
ولهذا يمكن تقسيم كتاب "مقالات الإسلاميين" إلى قسمين: َعَرَّف أبو الحسن الأشعري في القسم الأول بكل فرقة، وذَكَرَ اسمها -أو أسماءها- ومَن تَنْتَسِبُ إليه، وساق طَرَفاً من تاريخها وظروف نشأتها، ومُجْمَل اعتقادها، ثم سَرَدَ الفِرَق الفرعية لكل فِرقة من هذه العشر، فصنع مع كل فرع ما صنعه مع الأصل.
وقد اختصر وأوجز في بعض هذه الفرق وأفاض وأطال في البعض الآخر، وكان للمعتزلة أوفى نصيب، ثم الشيعة، واقتصر حديثه عن أهل السنة على بضع معلومات فقط. يقول أبو الحسن الأشعري: «اختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيع، والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، والضرارية والحسينية والبكرية، والعامة، وأصحاب الحديث، والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان»[8].
والقسم الثاني من الكتاب- والذي استغرق نحو نصفه- فساق أبو الحسن فيه الحديث عن مسائل دقيقة وقع الخلاف فيها بين المتكلمين، وأكثرها بين المعتزلة، مثل: الجسم، الجوهر، الطفرة، وقوف الأرض، المداخلة والمكامنة والمجاورة، الإنسان ما هو؟ الروح والنفس والحياة، الحواس، الحركات والسكون والأفعال، الأعراض، البقاء والفناء، الأضداد، الإدراك … الخ.



الهوامش:


[1] اعتمدت أقوال الإمام أبي الحسن الأشعري في كتابه:"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" في هذا المقال من الطبعة التي حققها أحمد جاد والصادرة عن دار الحديث بالقاهرة-طبعة/1430هـ/2009م- المقدمة-ص:7
[2] مقالات الإسلاميين- تحقيق أحمد جاد-ص: 8-11
[3] انظر ابن عساكر-تبيين كذب المفتري-تحقيق: أحمد السقا-دار الجيل/بيروت-الطبعة الأولى/1995-ص:33 وما بعدها
[4] منهاج السنة النبوية-ابن تيمية-ج/5-ص:275 وما بعدها
[5] مقالات الإسلاميين- تحقيق أحمد جاد-ص:13 وما بعدها
[6] مقالات الإسلاميين- تحقيق أحمد جاد-ص:59 وما بعدها
[7] مقالات الإسلاميين- تحقيق أحمد جاد-ص:170 وما بعدها
[8] مقالات الإسلاميين- تحقيق أحمد جاد-ص:12



                                           إعداد: منتصر الخطيب



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف...

- على سبيل التقديم:
لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف، يقول القاضي عياض في مقدمته: (فإنك كررت علي السؤال في مجموعٍ يتضمن التَّعريفَ بقدر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وما يجب له من توقير وإكرام، 

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

في بحث سابق حاولت فيه تتبع مواقف المتكلمين الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي، وقع اهتمامي بأحد أعلامهم وهو "أبو الحجاج يوسف المكلاتي" الذي عاصر ما بين مولده ووفاته (ولد حوالي سنة 550هـ، وتوفي سنة 626هـ) دولة الموحدين التي ظهرت في أعقاب سقوط دولة المرابطين في النصف الأول من القرن السادس الهجري.

إصدار جديد في علم العقائد

إصدار جديد في علم العقائد

ضمن سلسلة مؤلفات القاضي أبي بكر بن العربي المعافري، صدر مؤخرا كتاب: "المتوسط في الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد" للقاضي، ضبط نصه وخرج أحاديثه ووثق نقوله الدكتور "عبد الله التوراتي"، وهو من منشورات دار الحديث الكتانية للطباعة والنشر والتوزيع.