دراسات أشعرية

معتقد الحسن اليوسي في وعد الله بنعيم الجنة
معتقد الحسن اليوسي في وعد الله بنعيم الجنة

 

لا يقف دور علم الكلام عند الدفاع عن العقيدة الإسلامية والذب عنها ورد هجمات الطاعنين، بل له-ولا شك- أفق وظيفي أوسع من خلال خطابه العقلي، يشمل إيقاظ القوة الذهنية للمسلم التي تتكامل مع معتقده القلبي الجازم، حتى إذا تمكنت العقيدة من قلبه وعقله كانت أرضية صلبة تنطلق منها دوافعه نحو الخير والصلاح والإصلاح، ولما كان الأمر كذلك وجب أن تستجيب  التآليف في العقيدة للواقع ومتغيراته ليس لتقريرها فحسب، بل للإجابة عما أشكل فيها حسب كل بيئة وما يثار فيها بتغيُّر المشارب والمآرب.
وقد عكس العلامة أبو الحسن اليوسي (ت1120هـ) فكرا متجددا في جل مؤلفاته العقدية وأخص بالذكر ما جاء في كتابه "المحاضرات" مما يتعلق بالواقع العقدي بتوصيفه التاريخي  وإجاباته عن الإشكاليات العقدية المتفجرة منه، وكتابه "مشـرب العام والخاص" الذي جاء تعميقا لفهم الإشكالية الفكرية التي طرحها النقاش حول كلمة التوحيد بين العلامة الهبطي(963هـ) واليسيتني(959هـ)، وكشفا للواجب منها في حق العامة والخاصة.
ويطالعنا اليوسي بتقييدِ إشكال يخطر له في نعيم الجنة الذي وعد الله عباده المؤمنين الصالحين، مع الجواب عنه بما فتح الله به عليه، وهو جزء لطيف سماه "أخذ الجُّنة عن إشكال نعيم الجَّنة"، وهذه الإشكالية المثارة  تستمد جذورها أيضا من الخلاف الذي تجدد في عهد السعديين في مسألة وعد الله ووعيده بين عبد الوهاب الزقاق(961هـ) وزميله محمد اليسيتني. 
 يقرر اليوسي في استهلاله المناسب تماما للمقال أن عقائد المؤمنين راسية يقينا، وضعها الله عز وجل بفضله في قلوبهم فلا تزعزعها رياح الشبهات إذا اشتدت، وأن المشكلات العقدية لها ظلمة يجعل الله فيها فرقانا بنور تقوى المؤمنين؛  فالصادق المخلص التقي يفتح الله له مغلق إشكالها بفضله فلا يزيد إلا اطمئنانا إلى كمال دين الله وقصور إدراك العبد.
والإشكال  في مسألة وعد الله بنعيم الجَّنة  الثابت بالكتاب والسنة، هو متعلق النعيم:  أي أن للمؤمن  في الجنة ما تشتهي نفسه، فإن كان ما تشتهي نفسه هو مما عند غيره، فكيف يتحقق وعد الله بالنعيم لكليهما؟
إن أهم ما ميز منهج اليوسي في معالجة هذه الإشكالية أنه يعرِض بمقياس دنيوي لمفهوم النعيم، وما تشتهي النفس، وما تتلذذ به الروح والنفس، وحكمهما، وما يلزم منه من الإشكال، وطبيعة النفوس في الشهوة، حتى إذا اطمأن العقل إلى المُشاهد من نفسه في حياته الدنيا، وأنها بالفعل تطرح بالقياس إلى الآخرة إشكالا كبيرا، صرفه اليوسي إلى تحقيق  أمور ثلاثة:
الأول: أن أمور الآخرة لا يجب أن تكون جارية على ما عُهد في الدنيا، لا في دواعي النفوس ولا فيما تطلبه ولا غيرها، وذلك واضح من أخبار الآخرة على ما ورد في نصوص الشرع.
الثاني: أن الله تعالى فاعل مختار، يجعل لذة من شاء وشهوته فيما  يشاء، ﴿لا يسأل عما يفعل﴾[ سورة الأنبياء، الآية:23].
الثالث: أن الله تعالى بفضله يرضي كل أحد بما قسم له، حتى يكون الكل في نعيم، وكذا يرضيه بما أجرى من القضاء في عباده، ومتى حصل له الرضى ذهب الغم والنكد، ولذلك كان أهل مقام الرضى في الدنيا من عباد الله الصالحين في النعيم العاجل فهم في الجنة قبل أن يموتوا، ولذا قيل: الرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين.
ويمضي العلامة الحسن بن مسعود اليوسي في تفصيل الجواب عن المسائل المثارة حول الإشكالية بمقياس أخروي؛ فحين أخبر الله تعالى أن أهل الجنة ﴿لا يبغون عنها حولا﴾[الكهف: 108]، لا يتصور بعد ذلك إلا أن يرضوا تمام الرضى بما فيها حتى لا يختاروا غيرها ولا يحبوا سواها، وفيه تنبيه أيضا لرغبتهم فيها.
يختم اليوسي حديثه بفقرة عنْوَنها المحقق بـ"معتقد اليوسي في نعيم الجنة"، والمتمعن في فصول الكتاب يجد معتقد اليوسي مضمن في أجوبته عن جميع الإشكاليات المطروحة فيما يتعلق بوعد الله بنعيم الجنة، وما هذه الفقرة الأخيرة إلى تمام جوابه وتمام معتقده، وهذا نص الفقرة الواردة  في الكتاب:
«ثم  إن الجنة ليست بدار ابتلاء، فكما أعفى الله تعالى عبده فيها من فضلات الغذاء... ففي قدرته ومقتضى منته أن يعفيه من هذه التقادير، فلا يشتكي فتورا في قوة ولا ضعفا في شهوة، بل يأكل وينكح بشهوة مستمرة على السواء، ولذة دائمة أولا وآخرا، وهذا هو المعتقد نسأل الله تعالى أن يتحفنا برحمته، ويجعلنا من ورثة جنته، إنه ذو الفضل العظيم»[1].
ولو جعل المحقق قول اليوسي: "وهذا هو المعتقد..." في سطر أخير مستقل لوضح المقال واتضح المقصود.
أقول أخيرا، إن المؤمن يطمع في دخول الجنة التي وعد الله عباده المتقين، فإن فاز بها فالله يمنُّ على عباده بما هو أهله من الفضل والرحمة والكرم، يقول اليوسي[2]: 
هنالك ينأى الخور والغم والعسـر
وتأتي التهاني والمسـرات واليسـر
ونرفل في أثواب خفض وسؤدد
ونسقى كؤوس الوصل ما بقي الدهر الدهر
فلنشكر للمولى الكريم الذي له
علينا الجميل الجم والنائل الغمر
إعداد: إكرام بولعيش
الهوامش:
[1] كتاب "أخذ الجُّنة عن إشكال نعيم الجَّنَة"، الحسن بن مسعود اليوسي(ت.1120هـ)، تقديم وتحقيق: د. حميد حماني اليوسي، دار الفرقان للنشر الحديث، الدار البيضاء، ط: 2008م، ص: 94.
[2] نفسه، ص:95.

لا يقف دور علم الكلام عند الدفاع عن العقيدة الإسلامية والذب عنها ورد هجمات الطاعنين، بل له-ولا شك- أفق وظيفي أوسع من خلال خطابه العقلي، يشمل إيقاظ القوة الذهنية للمسلم التي تتكامل مع معتقده القلبي الجازم، حتى إذا تمكنت العقيدة من قلبه وعقله كانت أرضية صلبة تنطلق منها دوافعه نحو الخير والصلاح والإصلاح، ولما كان الأمر كذلك وجب أن تستجيب  التآليف في العقيدة للواقع ومتغيراته ليس لتقريرها فحسب، بل للإجابة عما أشكل فيها حسب كل بيئة وما يثار فيها بتغيُّر المشارب والمآرب.

وقد عكس العلامة أبو الحسن اليوسي (ت1120هـ) فكرا متجددا في جل مؤلفاته العقدية وأخص بالذكر ما جاء في كتابه "المحاضرات" مما يتعلق بالواقع العقدي بتوصيفه التاريخي  وإجاباته عن الإشكاليات العقدية المتفجرة منه، وكتابه "مشـرب العام والخاص" الذي جاء تعميقا لفهم الإشكالية الفكرية التي طرحها النقاش حول كلمة التوحيد بين العلامة الهبطي(963هـ) واليسيتني(959هـ)، وكشفا للواجب منها في حق العامة والخاصة.

ويطالعنا اليوسي بتقييدِ إشكال يخطر له في نعيم الجنة الذي وعد الله عباده المؤمنين الصالحين، مع الجواب عنه بما فتح الله به عليه، وهو جزء لطيف سماه "أخذ الجُّنة عن إشكال نعيم الجَّنة"، وهذه الإشكالية المثارة  تستمد جذورها أيضا من الخلاف الذي تجدد في عهد السعديين في مسألة وعد الله ووعيده بين عبد الوهاب الزقاق(961هـ) وزميله محمد اليسيتني. 

 يقرر اليوسي في استهلاله المناسب تماما للمقال أن عقائد المؤمنين راسية يقينا، وضعها الله عز وجل بفضله في قلوبهم فلا تزعزعها رياح الشبهات إذا اشتدت، وأن المشكلات العقدية لها ظلمة يجعل الله فيها فرقانا بنور تقوى المؤمنين؛  فالصادق المخلص التقي يفتح الله له مغلق إشكالها بفضله فلا يزيد إلا اطمئنانا إلى كمال دين الله وقصور إدراك العبد.

والإشكال  في مسألة وعد الله بنعيم الجَّنة  الثابت بالكتاب والسنة، هو متعلق النعيم:  أي أن للمؤمن  في الجنة ما تشتهي نفسه، فإن كان ما تشتهي نفسه هو مما عند غيره، فكيف يتحقق وعد الله بالنعيم لكليهما؟

إن أهم ما ميز منهج اليوسي في معالجة هذه الإشكالية أنه يعرِض بمقياس دنيوي لمفهوم النعيم، وما تشتهي النفس، وما تتلذذ به الروح والنفس، وحكمهما، وما يلزم منه من الإشكال، وطبيعة النفوس في الشهوة، حتى إذا اطمأن العقل إلى المُشاهد من نفسه في حياته الدنيا، وأنها بالفعل تطرح بالقياس إلى الآخرة إشكالا كبيرا، صرفه اليوسي إلى تحقيق  أمور ثلاثة:

الأول: أن أمور الآخرة لا يجب أن تكون جارية على ما عُهد في الدنيا، لا في دواعي النفوس ولا فيما تطلبه ولا غيرها، وذلك واضح من أخبار الآخرة على ما ورد في نصوص الشرع.

الثاني: أن الله تعالى فاعل مختار، يجعل لذة من شاء وشهوته فيما  يشاء، ﴿لا يسأل عما يفعل﴾[ سورة الأنبياء، الآية:23].

الثالث: أن الله تعالى بفضله يرضي كل أحد بما قسم له، حتى يكون الكل في نعيم، وكذا يرضيه بما أجرى من القضاء في عباده، ومتى حصل له الرضى ذهب الغم والنكد، ولذلك كان أهل مقام الرضى في الدنيا من عباد الله الصالحين في النعيم العاجل فهم في الجنة قبل أن يموتوا، ولذا قيل: الرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين.

ويمضي العلامة الحسن بن مسعود اليوسي في تفصيل الجواب عن المسائل المثارة حول الإشكالية بمقياس أخروي؛ فحين أخبر الله تعالى أن أهل الجنة ﴿لا يبغون عنها حولا﴾[الكهف: 108]، لا يتصور بعد ذلك إلا أن يرضوا تمام الرضى بما فيها حتى لا يختاروا غيرها ولا يحبوا سواها، وفيه تنبيه أيضا لرغبتهم فيها.

يختم اليوسي حديثه بفقرة عنْوَنها المحقق بـ"معتقد اليوسي في نعيم الجنة"، والمتمعن في فصول الكتاب يجد معتقد اليوسي مضمن في أجوبته عن جميع الإشكاليات المطروحة فيما يتعلق بوعد الله بنعيم الجنة، وما هذه الفقرة الأخيرة إلى تمام جوابه وتمام معتقده، وهذا نص الفقرة الواردة  في الكتاب:

«ثم  إن الجنة ليست بدار ابتلاء، فكما أعفى الله تعالى عبده فيها من فضلات الغذاء... ففي قدرته ومقتضى منته أن يعفيه من هذه التقادير، فلا يشتكي فتورا في قوة ولا ضعفا في شهوة، بل يأكل وينكح بشهوة مستمرة على السواء، ولذة دائمة أولا وآخرا، وهذا هو المعتقد نسأل الله تعالى أن يتحفنا برحمته، ويجعلنا من ورثة جنته، إنه ذو الفضل العظيم»[1].

ولو جعل المحقق قول اليوسي: "وهذا هو المعتقد..." في سطر أخير مستقل لوضح المقال واتضح المقصود.

أقول أخيرا، إن المؤمن يطمع في دخول الجنة التي وعد الله عباده المتقين، فإن فاز بها فالله يمنُّ على عباده بما هو أهله من الفضل والرحمة والكرم، يقول اليوسي[2]: 

هنالك ينأى الخور والغم والعسـر*****وتــأتـــي التهــاني والمســـرات واليســـر

ونرفل في أثواب خفض وســـؤدد*****ونسقى كؤوس الوصل ما بقي الدهر الدهر

فلنشكر للمولى الكريم الـذي له*****عليـنـا الجميـــل الجـــم والنــائـــل الغمـــر

 

                                                            إعداد الباحثة: إكرام بولعيش

 

الهوامش:

 

[1] كتاب "أخذ الجُّنة عن إشكال نعيم الجَّنَة"، الحسن بن مسعود اليوسي(ت.1120هـ)، تقديم وتحقيق: د. حميد حماني اليوسي، دار الفرقان للنشر الحديث، الدار البيضاء، ط: 2008م، ص: 94.

[2] نفسه، ص:95.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في نسقية الخطاب الأشعري

قراءة في نسقية الخطاب الأشعري

موضوع النسقية العامة للخطاب الأشعري هي محور كتاب المفكر المغربي "سعيد بنسعيد العلوي" الموسوم: "الخطاب الأشعري: مساهمة في دراسة العقل العربي والإسلامي"، وقد سعى فيه المؤلف إلى الكشف عن الآليّات المعرفية التي تحكم الخطاب الأشعري في العصر الوسيط – تاريخ ترسيم الأشعرية بالمغرب-، وذلك من خلال البحث في المنهجية العامة للفكر الأشعري، ورصد آليات خطابه وتتبع أدواته المعرفية.

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

عصمة الأنبياء برأي المتكلم الأشعري "القاضي عياض" ت.544هـ

لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف...

- على سبيل التقديم:
لعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويُعدّ من أحسن الكتب المعرّفة به، قال فيه أهل العلم لما قرؤوه: «لولا الشفا لما عُرف المصطفى»، وهو أشهر من أن يعرَّف، يقول القاضي عياض في مقدمته: (فإنك كررت علي السؤال في مجموعٍ يتضمن التَّعريفَ بقدر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وما يجب له من توقير وإكرام، 

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

عرض موقف بعض متكلمي الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي برأي الدكتور حمو النقاري

في بحث سابق حاولت فيه تتبع مواقف المتكلمين الأشاعرة من الفلسفة والفلاسفة بالغرب الإسلامي، وقع اهتمامي بأحد أعلامهم وهو "أبو الحجاج يوسف المكلاتي" الذي عاصر ما بين مولده ووفاته (ولد حوالي سنة 550هـ، وتوفي سنة 626هـ) دولة الموحدين التي ظهرت في أعقاب سقوط دولة المرابطين في النصف الأول من القرن السادس الهجري.