أشاعرة المغرب

الشيخ أبو سالم العيَّاشي
الشيخ أبو سالم العيَّاشي

 

ملامح من حياته[1]:
هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمان الفكيكي العياشي نسبة لآل عيّاش أو آيت عيّاش، المالكي،  المغربي الإدريسي، اشتهر بكنية أبي سالم، ولقب بعفيف الدين.
ولد ليلة الخميس أواخر شعبان من عام 1037هـ، بمنطقة آيت عياش التي احتضنت الزاوية العياشية، وفيها تبلورت مداركه العلمية والروحية؛ تربى أبو سالم العياشي في زاوية والده محمد بن أبي بكر بن يوسف بن موسى بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن المزداد سنة 981هـ، من العلماء المصلحين، وهو المؤسس الفعلي للزاوية العياشية، وفي هذه الزاوية تلقى أبو سالم تعليمه الأول.
شغف أبو سالم العياشي بالعلم والمعرفة، فتكون على معظم علماء المغرب آنذاك، ولم يسمع بعالم أو شيخ إلا وسعى إليه وأفاد منه، وكان على رأس هؤلاء؛ شيخ فاس أبو محمد عبد القادر الفاسي(ت.1091هـ)، أخذ عن شيخه أذكار الشاذلي ووظيفة الشيخ زروق ودلائل الخيرات، والشيخ أبي العباس أحمد الأبار في دروسه «مختصر خليل» في الفقه المالكي، كما أخذ عن عالم درعة الشيخ محمد بن ناصر الدرعي.
وقد منعته الظروف السياسية التي سادت في المغرب في القرن الحادي عشر الهجري التتلمذ على شيوخ مراكش وشيوخ الزاوية الدلائية، فعوض عن ذلك بالمراسلات العلمية.
تميزت حياته بطلب العلم والسعي وراء العلماء في كل الأمصار، فكانت أول رحلة مشرقية  لأبي سالم العياشي إلى الديارالمقدسة سنة 1059هـ، وهو  لا يزال شابا في مقتبل العمر، ومن خلالها تكشفت شخصية أبي  سالم المتمسك بالكتاب والسنة، والشغوف بالعلم والمعرفة .
أما الرحلة الثانية فكانت سنة 1064هـ، وقد تزود فيها بالعلوم النقلية والتصوف واتسعت دائرة شيوخه، وقد تحدث عن هذه الرحلة في كتابه «اقتفاء الأثر».
أما الرحلة الثالثة فكانت سنة 1072هـ، وهي الرحلة التي أرخ دقائقها، وسجل مختلف الإفادات والاستفادات  التي حصلت له منذ أول يوم غادر قبيلته إلى حين رجوعه إليها.
وقد أسهم أبو سالم العياشي مع أقرانه من العلماء[4] ـ في هذا العصرـ في نشر الثقافة الإسلامية الصافية، وكان مثال العالم العامل المتبصر بمشاكل عصره ومجتمعه، ومن بين المؤلفات التي تركها:
الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف في ما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بواحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف.
تحرير كلام  القوم في أمر النبي عليه السلام في النوم.
رسالة في بيان مقالة إمام الحرمين.
رسالة في الكسب.إظهار المنة على المبشرين بالجنة.
الكواكب الدرية في مناقب أشرف البرية.
شرح المحلى لابن حزم.
ماء الموائد 
اقتفاء الأثر بعد ذهاب  أهل الأثر.
ومن خلال استقرائي لمجموعة من التراجم والوثائق والمقالات التي تعرضت بالترجمة لأبي سالم العياشي، يظهر جليا، أن هذا الرجل هو أحد أهم علماء الزاوية العياشية في القرن الحادي عشر الهجري، وقد نعت في هذه التراجم بأسمى وأعلى الأوصاف التي لا يوصف بها في الغالب سوى كبار الشيوخ من أمثاله؛
قال فيه صاحب نشر المتاني: «العلامة الكبير المحقق النحرير، الفاضل المشارك في أنواع العلوم وامدارك»[5].
قال عنه القادري:«... وكان  ـ رحمه الله ـ حسن الظن في جميع الخلق، كثير الزيارة لمن يتوسم فيه الخير»[6]. 
وانطفأت شعلة حياة هذا الفاضل العظيم سنة 1090هـ بعد حياة حافلة في خدمة العلم[7].
بعض المواقف العقدية:
التكفير عند أبي سالم العياشي[8]:
يجرنا الحديث عن  أبي سالم العياشي، ما يدور من حولنا اليوم من الغلو في الدين والتشدد وإطلاق الحكم بالتكفير دون تثبت ولا التزام بضوابط شرعية، فإن كانت الجوانب الإعلامية تبرز جوانب من الظاهرة، فإن علمائنا وضعوا القضية في المخبر العلمي دراسة وتحليلا.
ولا يمكن أن تبحث في سيرة أبي سالم العياشي وفي عصره دون التعرض لشخصية الفقيه محمد بن أبي محلى، فهذا الرجل عمل على إحياء نار الفتنة التي اكتوت بها الأمة المغربية، التي وصلت إلى استباحة دم المسلم، فنصب محاكم التفتيش، وشق قلوب الناس، وأصدر الفتاوى والأحكام في حق المخالفين والعوام، وأحدث الرجل ضجة سمعها العلماء والعوام، فما هو موقف الشيخ العياشي من هذه الفتنة؟
تعود جذور هذه الفتنة إلى العصر السعدي، الذي شهد صراعا حادا في معنى كلمة الإخلاص، بين العلماء الثلاثة: أبو عبد الله الهبطي، والخروبي الطرابلسي، ومحمد اليستيني. وقد أثيرات هذه القضية بل أحيت مجددا في زمن أبي سالم العياشي الذي تصدى بالقلم واللسان للرد على اصحابها.
وقد رصد الشيخ العياشي لجملة من النواحي العلمية والنفسية والاجتماعية التي تأثر بها أهل التكفير من خلال نموذج الفقيه ابن أبي محلى وهذه بعضها:
الجهل بالدين والتعامل الحرفي مع النصوص،
التعصب للرأي،
تتبع عوارت الناس،
شهوة الرئاسة والتكفير والاستعلاء،
التشدد والجهل بالدين ممن الْتبست عليهم المفاهيم الدينية.
كما حدد مجموعة من القواعد الضابطة لقضية التكفير، التي تحد من الانزلاقات المؤدية إلى التشدد والتعصب:
إن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك إلا بيقين، ولا يكفر مسلم بمجرد الشبهة والظن وإذا كان يحرم سباب المسلم وقذفه والاستهزاء به والسخرية منه، فكيف بإخراجه من ملة الإسلام؟ 
عدم التعرض للناس بالسؤال والبحث عن عقائدهم من غير ظهور ما ينكر منهم مع سلامة ظواهرهم.
عدم تكفير من يجهل صفة من صفات الحق تعالى ، مع اعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته وخالقيته.
وهذا النهج الذي سلكه الشيخ العياشي  اتبع فيه قول  ما قرره الأشاعرة فيما يتعلق بهذه المسألة العقدية الخطيرة. فالمقرر عند الأشاعرة أنهم لا يكفرون إلا من أنكر أمرا  مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة، وهذا ما أفصح عليه الإمام أبي الحسن الأشعري(ت.324هـ) في معرض كلامه عن الفكر الأشعري، حيث قال:« وندين بأن لا نكفّر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلًّا لها غير معتقد لتحريمها كان كافرا»[9].
حقيقة العلم والمعرفة:
اختلف علماء الكلام في تعريف العلم، فالعلم عند الأشاعرة قسمان: أحدهما علم الله تعالى وهو علم قديم ليس بضروري ولا مكتسب ولا واقع عن حس ولا عن فكر ونظر، وهو صفة لذاته، وثانيهما علم الخلق وهو ضربان:ضروري ومكتسب.
والمعتمد عند أبي سالم أنه: «يطلق بمعنى الاسم وبمعنى المصدر، فالاسم الذي هو الصفة القائمة بالذات تنكشف لها الأشياء على ما هو عليها عند تعلقها بها؛ وبها يصح كون الذات عالمة؛ وهي التي يثبتها أهل السنة في حق القديم تعالى وينفيها المعتزلة، والكلام فيها والمباحث التي تتعلق بها مقررة في محلها، وليس العلم بهذا المعنى هو المطلوب هنا، وإنما المطلوب المعنى التصوري الصادر عن الصفة المذكورة عند تعلقها بالشيء، وهو إما تصور وإما تصديق»[10]. 
أقسامه:
يقسم أبو سالم العياشي العلم إلى تصور وتصديق، ويؤكد على أن «التصور المطلوب في العقائد الدنية ليس التصور الحقيقي إجماعا للعجز عنه في أكثرها؛ كذات الحق وصفاته، وأمور المعاد، وحقيقة السر الذي بين الله وأنبيائه ...»[11] وإنما  التصور المطلوب ..« ما يحصل به مطلق التمييز والثبوت والشعور من وجه يمكن معه الحكم بثبوت ما يجب إثباته، ونفي ما يجب نفيه»[12].
الإيمان:
إن تفسير الإيمان وتحديد مفهومه الشرعي اختلف فيه علماء الأمة من مختلف الفرق الإسلامية، وقد  لخص الإمام الجويني مذاهب الفرق في هذه المسألة أحسن تلخيص: «ذهبت الخوارج إلى أن الإيمان هو الطاعة، ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة، واختلفت مذاهبهم في تسمية النوافل إيمانا، وصار أصحاب الحديث  إلى أن الإيمان هو معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وذهب بعض القدماء إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار بها، وذهبت الكرامية إلى  الإيمان هو الإقرار باللسان فحسب. ومضمر الكفر إذا أظهر الإيمان مؤمن حقا عندهم، غير أنه يستوجب الخلود في النار، ولو أضمر الإيمان ولم يتفق منه إظهاره، فهو ليس بمؤمن، وله الخلود في الجنة» [13]. 
ومذهب جمهور الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق بالله تعالى كما عبر عنه الجويني[14]، وذهب إليه قبله ـ أي الإمام الجويني ـ  الإمام الباقلاني  في كتابه الإنصاف: «اعلم أن حقيقة الإيمان هو التصديق، والدليل عليه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف عليه السلام:(وما أنت بمؤمن لنا) أي بمصدق لنا»[15].
 والإيمان هو التصديق هو  مذهب الشيخ أبي سالم العياشي الذي عبر عنه بكونه: « هو عبارة عن تصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به إجمالا، من غير أن يقاربه شيء من أمارات التكذيب اختيارا هذا هو الإيمان النافع عند الله وعندنا في الظاهر، وإن عُدم التصديق فلا إيمان لا ظاهرا ولا باطنا»[130].
إعداد الباحثة حفصة البقالي.
الهوامش:
1-  انظر:«ماء الموائد» حققها وقدم لها، د.سعيد الفاضلي، ود.سليمان القرشي، «صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر» لمحمد الصغير الإفراني، تح: عبد المجيد خيالي، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس»، تأليف الشيخ محمد بن جعفر بن ادريس الكتاني، ت: محمد حمزة بن علي الكتاني، الموسوعة الكتاني لتاريخ فاس،  «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»، محمد أمين بن فضل الله المحبى الحنفي، تح: محمد حسن إسماعيل، «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين محمد الذهبي، مؤسسة الرسالة سنة النشر: 1422هـ / 2001م، «دليل مؤرخ المغرب»، ابن سودة، ضبط واستدراك مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والتوزيع، ط:1، 1997م . 
2- «انظر اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر»، فهرسة أبي سالم، تحقيق ودراسة: نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم :33،  ص: 27.
3-«الرحلة العياشية» لعبد الله بن محمد العياشي، تح: د.سعيد الفاضلي، ود. سليمان القرشي، دار السويدي للنشر والتوزيع، ط.1، 1/195.
4- كالإمام المصلح اليوسي، والشيخ عبد القادر الفاسي، والدرعي...
5- «نشر المتاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني» لمحمد بن الطيب القادري، تح: محمد حجي، وأحمد التوفيق، 3/254.
6- «الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر»، لعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي الفهري، تقديم وتحقيق: فاطمة نافع، دار ابن حزم، ص:266.
7- المصدر السابق، ص:264.
8- انظر: «الحكم بالعدل والإنصاف الرافع الخلاف فيما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف» لأبي سالم العياشي، تقديم وتحقيق ذ.عبد العظيم صغيري، منشورات وزراة الأوقاف والشـؤون الإسـلامية – المملـكة المـغربية، طـ 1436هـ/2015م، 1/119-120-130.
9- «الإبانة عن أصول الديانة» لأبي الحسن بن إسماعيل الأشعري، دراسة وتحقيق: عباس صباغ، دار النفائس، ص:26.
10-  «الحكم بالعدل والإنصاف»،1/198.
11- نفسه:1/196. 
12- نفسه:1/196.
13- «كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد»، لإمام الحرمين الجويني، ضبط وتحقيق: ذ.احمد عبد الرحيم السايح، وتوفيق على وهبة، مكتبة الثقافة الدينية، ص:306.
14-  المصدر السابق، 306.
15-«الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به»، لأبي بكر الباقلاني، ص:163، مؤسسة مكتبة المعارف اللبنانية، ط:2011م، إعداد وتقديم: الحبيب بن طاهر.

ملامح من حياته[1]:

هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمان الفكيكي العياشي نسبة لآل عيّاش أو آيت عيّاش، المالكي،  المغربي الإدريسي، اشتهر بكنية أبي سالم، ولقب بعفيف الدين.

ولد ليلة الخميس أواخر شعبان من عام 1037هـ، بمنطقة آيت عياش التي احتضنت الزاوية العياشية، وفيها تبلورت مداركه العلمية والروحية؛ تربى أبو سالم العياشي في زاوية والده محمد بن أبي بكر بن يوسف بن موسى بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن المزداد سنة 981هـ، من العلماء المصلحين، وهو المؤسس الفعلي للزاوية العياشية، وفي هذه الزاوية تلقى أبو سالم تعليمه الأول.

شغف أبو سالم العياشي بالعلم والمعرفة، فتكون على معظم علماء المغرب آنذاك، ولم يسمع بعالم أو شيخ إلا وسعى إليه وأفاد منه، وكان على رأس هؤلاء؛ شيخ فاس أبو محمد عبد القادر الفاسي(ت.1091هـ)، أخذ عن شيخه أذكار الشاذلي ووظيفة الشيخ زروق ودلائل الخيرات، والشيخ أبي العباس أحمد الأبار في دروسه «مختصر خليل» في الفقه المالكي، كما أخذ عن عالم درعة الشيخ محمد بن ناصر الدرعي.

وقد منعته الظروف السياسية التي سادت في المغرب في القرن الحادي عشر الهجري التتلمذ على شيوخ مراكش وشيوخ الزاوية الدلائية، فعوض عن ذلك بالمراسلات العلمية.

تميزت حياته بطلب العلم والسعي وراء العلماء في كل الأمصار، فكانت أول رحلة مشرقية  لأبي سالم العياشي إلى الديارالمقدسة سنة 1059هـ، وهو  لا يزال شابا في مقتبل العمر، ومن خلالها تكشفت شخصية أبي  سالم المتمسك بالكتاب والسنة، والشغوف بالعلم والمعرفة .

أما الرحلة الثانية فكانت سنة 1064هـ، وقد تزود فيها بالعلوم النقلية والتصوف واتسعت دائرة شيوخه، وقد تحدث عن هذه الرحلة في كتابه «اقتفاء الأثر».

أما الرحلة الثالثة فكانت سنة 1072هـ، وهي الرحلة التي أرخ دقائقها، وسجل مختلف الإفادات والاستفادات  التي حصلت له منذ أول يوم غادر قبيلته إلى حين رجوعه إليها.

وقد أسهم أبو سالم العياشي مع أقرانه من العلماء[4] ـ في هذا العصرـ في نشر الثقافة الإسلامية الصافية، وكان مثال العالم العامل المتبصر بمشاكل عصره ومجتمعه، ومن بين المؤلفات التي تركها:

الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف في ما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بواحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف.

تحرير كلام  القوم في أمر النبي عليه السلام في النوم.

رسالة في بيان مقالة إمام الحرمين.

رسالة في الكسب.

 إظهار المنة على المبشرين بالجنة.

الكواكب الدرية في مناقب أشرف البرية.

شرح المحلى لابن حزم.

ماء الموائد.

اقتفاء الأثر بعد ذهاب  أهل الأثر.

ومن خلال استقرائي لمجموعة من التراجم والوثائق والمقالات التي تعرضت بالترجمة لأبي سالم العياشي، يظهر جليا، أن هذا الرجل هو أحد أهم علماء الزاوية العياشية في القرن الحادي عشر الهجري، وقد نعت في هذه التراجم بأسمى وأعلى الأوصاف التي لا يوصف بها في الغالب سوى كبار الشيوخ من أمثاله؛

قال فيه صاحب نشر المثاني: «العلامة الكبير المحقق النحرير، الفاضل المشارك في أنواع العلوم والمدارك»[5].

قال عنه القادري: «... وكان  ـ رحمه الله ـ حسن الظن في جميع الخلق، كثير الزيارة لمن يتوسم فيه الخير»[6]. 

وانطفأت شعلة حياة هذا الفاضل العظيم سنة 1090هـ بعد حياة حافلة في خدمة العلم[7].

بعض المواقف العقدية:

التكفير عند أبي سالم العياشي[8]:

يجرنا الحديث عن  أبي سالم العياشي، إلى ما يدور من حولنا اليوم من الغلو في الدين والتشدد وإطلاق الحكم بالتكفير دون تثبت ولا التزام بضوابط شرعية، فإن كانت الجوانب الإعلامية تبرز جوانب من الظاهرة، فإن علمائنا وضعوا القضية في المخبر العلمي دراسة وتحليلا.

ولا يمكن أن تبحث في سيرة أبي سالم العياشي وفي عصره دون التعرض لشخصية الفقيه محمد بن أبي محلى، فهذا الرجل عمل على إحياء نار الفتنة التي اكتوت بها الأمة المغربية، التي وصلت إلى استباحة دم المسلم، فنصب محاكم التفتيش، وشق قلوب الناس، وأصدر الفتاوى والأحكام في حق المخالفين والعوام، وأحدث الرجل ضجة سمعها العلماء والعوام، فما هو موقف الشيخ العياشي من هذه الفتنة؟

تعود جذور هذه الفتنة إلى العصر السعدي، الذي شهد صراعا حادا في معنى كلمة الإخلاص، بين العلماء الثلاثة: أبو عبد الله الهبطي، والخروبي الطرابلسي، ومحمد اليسيتني. وقد أثيرت هذه القضية بل أحييت مجددا في زمن أبي سالم العياشي الذي تصدى بالقلم واللسان للرد على أصحابها.

وقد رصد الشيخ العياشي لجملة من العوامل العلمية والنفسية والاجتماعية التي تأثر بها أهل التكفير من خلال نموذج الفقيه ابن أبي محلى وهذه بعضها:

الجهل بالدين والتعامل الحرفي مع النصوص،

التعصب للرأي،

تتبع عوارت الناس،

شهوة الرئاسة والتكفير والاستعلاء،

التشدد والجهل بالدين ممن الْتبست عليهم المفاهيم الدينية.

كما حدد مجموعة من القواعد الضابطة لقضية التكفير، التي تحد من الانزلاقات المؤدية إلى التشدد والتعصب:

إن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه ذلك إلا بيقين، ولا يكفر مسلم بمجرد الشبهة والظن وإذا كان يحرم سباب المسلم وقذفه والاستهزاء به والسخرية منه، فكيف بإخراجه من ملة الإسلام؟ 

عدم التعرض للناس بالسؤال والبحث عن عقائدهم من غير ظهور ما ينكر منهم مع سلامة ظواهرهم.

عدم تكفير من يجهل صفة من صفات الحق تعالى ، مع اعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته وخالقيته.

وهذا النهج الذي سلكه الشيخ العياشي  اتبع فيه قول  ما قرره الأشاعرة فيما يتعلق بهذه المسألة العقدية الخطيرة. فالمقرر عند الأشاعرة أنهم لا يكفرون إلا من أنكر أمرا  مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة، وهذا ما أفصح عليه الإمام أبي الحسن الأشعري(ت.324هـ) في كتابه "الإبانة"، حيث قال:« وندين بأن لا نكفّر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلًّا لها غير معتقد لتحريمها كان كافرا»[9].

حقيقة العلم والمعرفة:

اختلف علماء الكلام في تعريف العلم، فالعلم عند الأشاعرة قسمان: أحدهما علم الله تعالى وهو علم قديم ليس بضروري ولا مكتسب ولا واقع عن حس ولا عن فكر ونظر، وهو صفة لذاته، وثانيهما علم الخلق وهو ضربان:ضروري ومكتسب.

والمعتمد عند أبي سالم أنه: «يطلق بمعنى الاسم وبمعنى المصدر، فالاسم الذي هو الصفة القائمة بالذات تنكشف لها الأشياء على ما هو عليها عند تعلقها بها؛ وبها يصح كون الذات عالمة؛ وهي التي يثبتها أهل السنة في حق القديم تعالى وينفيها المعتزلة، والكلام فيها والمباحث التي تتعلق بها مقررة في محلها، وليس العلم بهذا المعنى هو المطلوب هنا، وإنما المطلوب المعنى التصوري الصادر عن الصفة المذكورة عند تعلقها بالشيء، وهو إما تصور وإما تصديق»[10]. 

أقسامه:

يقسم أبو سالم العياشي العلم إلى تصور وتصديق، ويؤكد على أن «التصور المطلوب في العقائد الدينية ليس التصور الحقيقي إجماعا للعجز عنه في أكثرها؛ كذات الحق وصفاته، وأمور المعاد، وحقيقة السر الذي بين الله وأنبيائه ...»[11] وإنما التصور المطلوب ..« ما يحصل به مطلق التمييز والثبوت والشعور من وجه يمكن معه الحكم بثبوت ما يجب إثباته، ونفي ما يجب نفيه»[12].

الإيمان:

إن تفسير الإيمان وتحديد مفهومه الشرعي اختلف فيه علماء الأمة من مختلف الفرق الإسلامية، وقد  لخص الإمام الجويني مذاهب الفرق في هذه المسألة أحسن تلخيص: «ذهبت الخوارج إلى أن الإيمان هو الطاعة، ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة، واختلفت مذاهبهم في تسمية النوافل إيمانا، وصار أصحاب الحديث  إلى أن الإيمان هو معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وذهب بعض القدماء إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار بها، وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فحسب. ومضمر الكفر إذا أظهر الإيمان مؤمن حقا عندهم، غير أنه يستوجب الخلود في النار، ولو أضمر الإيمان ولم يتفق منه إظهاره، فهو ليس بمؤمن، وله الخلود في الجنة» [13]. 

ومذهب جمهور الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق بالله تعالى كما عبر عنه الجويني[14]، وذهب إليه قبله ـ أي الإمام الجويني ـ  الإمام الباقلاني  في كتابه الإنصاف: «اعلم أن حقيقة الإيمان هو التصديق، والدليل عليه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف عليه السلام:(وما أنت بمؤمن لنا) أي بمصدق لنا»[15].

 والإيمان هو التصديق مذهب الشيخ أبي سالم العياشي الذي عبر عنه بكونه: « هو عبارة عن تصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به إجمالا، من غير أن يقاربه شيء من أمارات التكذيب اختيارا هذا هو الإيمان النافع عند الله وعندنا في الظاهر، وإن عُدم التصديق فلا إيمان لا ظاهرا ولا باطنا»[130].

 

إعداد الباحثة حفصة البقالي

 

الهوامش:

 

1-  انظر:«ماء الموائد» حققها وقدم لها، د.سعيد الفاضلي، ود.سليمان القرشي، «صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر» لمحمد الصغير الإفراني، تح: عبد المجيد خيالي، «سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس»، تأليف الشيخ محمد بن جعفر بن ادريس الكتاني، تح: محمد حمزة بن علي الكتاني، الموسوعة الكتاني لتاريخ فاس،  «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»، محمد أمين بن فضل الله المحبى الحنفي، تح: محمد حسن إسماعيل، «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين محمد الذهبي، مؤسسة الرسالة سنة النشر: 1422هـ / 2001م، «دليل مؤرخ المغرب»، ابن سودة، ضبط واستدراك مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والتوزيع، ط:1، 1997م . 

2- «انظر اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر»، فهرسة أبي سالم، تحقيق ودراسة: نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم :33،  ص: 27.

3-«الرحلة العياشية» لعبد الله بن محمد العياشي، تح: د.سعيد الفاضلي، ود. سليمان القرشي، دار السويدي للنشر والتوزيع، ط.1، 1/195.

4- كالإمام المصلح اليوسي، والشيخ عبد القادر الفاسي، والدرعي...

5- «نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني» لمحمد بن الطيب القادري، تح: محمد حجي، وأحمد التوفيق، 3/254.

6- «الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر»، لعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي الفهري، تقديم وتحقيق: فاطمة نافع، دار ابن حزم، ص:266.

7- المصدر السابق، ص:264.

8- انظر: «الحكم بالعدل والإنصاف الرافع الخلاف فيما وقع بين بعض فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله وجهل بعض ماله من الأوصاف» لأبي سالم العياشي، تقديم وتحقيق ذ.عبد العظيم صغيري، منشورات وزراة الأوقاف والشـؤون الإسـلامية – المملـكة المـغربية، طـ 1436هـ/2015م، 1/119-120-130.

9- «الإبانة عن أصول الديانة» لأبي الحسن بن إسماعيل الأشعري، دراسة وتحقيق: عباس صباغ، دار النفائس، ص:26.

10-  «الحكم بالعدل والإنصاف»،1/198.

11- نفسه:1/196. 

12- نفسه:1/196.

13- «كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد»، لإمام الحرمين الجويني، ضبط وتحقيق: ذ.احمد عبد الرحيم السايح، وتوفيق على وهبة، مكتبة الثقافة الدينية، ص:306.

14-  المصدر السابق، 306.

15-«الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به»، لأبي بكر الباقلاني، ص:163، مؤسسة مكتبة المعارف اللبنانية، ط:2011م، إعداد وتقديم: الحبيب بن طاهر.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ابن عطية الأندلسي ت.546هـ

ابن عطية الأندلسي ت.546هـ

أبو محمد عبد الحق بن غالب الفقيه الإمام الحافظ أبي بكر غالب، بن عبد الرحمان، بن غالب، بن عبد الرؤوف، بن تمام، بن عبد الله، بن تمام بن عطية، بن خالد، بن عطية، بن خالد بن خفاف بن أسلم، ابن مكرم المحاربي، من ولد زيد بن محارب، بن حصفة، بن قيس عيلان من أهل غرناطة. ولد بغرناطة سنة 481هـ، نشأ في بيئة علمية بالأندلس، من  أسرة معروفة بالعلم.

شيخ الإسلام عبد القادر الفاسي

شيخ الإسلام عبد القادر الفاسي

هو عبد القادر بن أبي الحسن علي بن أبي المحاسن يوسف بن محمد الفاسي بن عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن عبد الملك بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجد الفهري الكناني النسب المالقي الأندلسي الأصل. وآل الفاسي كانوا يسمون بآل ابن الجد في الأندلس، وبنو الجد فهريون، وكان استيطانهم في مدينة نبلة (Niebla) من أعمال إشبيلية...

أبو عبد الله محمد بن خليل السكوني صاحب كتاب: "أربعون مسألة في أصول الدين"

أبو عبد الله محمد بن خليل السكوني صاحب كتاب: "أربعون مسألة في أصول الدين"

من أعلام الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي ومن أرض الأندلس به، يبرز هذا العلم شامخ الظهور، إنه أبو عبد الله محمد بن خليل السكوني، والذي شهر بكتابه: "أربعون مسألة في أصول الدين"، و"شرحه على مرشدة ابن تومرت".