افتتاحية

بقلم الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء

افتتاحية للسيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء

بسم الله الرحمن الرحيم

ملف هذا العدد الأول من مجلة الإبانة، مستخلص للتعريف بمؤسس المذهب الأشعري، الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بِشر، إسحاق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بـلال بن أبي بُردةَ عـامرٍ ابن صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد ولد الإمام أبو الحسن بالبصرة على الأرجح سنة 260هـ، وانتقل إلى عفو ربه سنة 324هـ ببغداد.
وقد قال عنه تلميذه، محدث زمانه وشيخ أهل السنة في وقته، الإمام البيهقي (ت458هـ) رحمه الله: "بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله، فلم يُحدث في دين الله حدثـا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم من الأئمة في أصول الدين، فنصرها بزيادة شرح وتبيين"ـ(تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص88)).
كما قال عنه القاضي عياض (ت544هـ) رحمه الله في ترتيب المدارك: "لما كثرت تواليفه وانتُفِع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذَبُّه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثُر طلبته وأتباعه لتعلُّم تلك الطرق في الذَّبِّ عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسُمُّوا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم فعُرفوا بذلك، وإنما كانوا يُعرفون قبل ذلك بالمُثْبتَة، سمةٌ عرَّفتهم بها المعتزلة، إذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه... فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون، وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقته"[2/525].
ولكون المذهب الأشعري يجمع باتزان واتساق، بين الإناطة بصميم المنقول كتابا وسنة، وإعمال صريح المعقول برهانا وحجة، فقد بسط الله له القبول في مشارق الأمة ومغاربها، فما من أحد اليوم يروم النظر في العقائد وامتداداتها العملية، إلا ووجد أنه لا مناص من أجل بلوغ التحقيق، والاضطلاع بالتدقيق، من النظر في تراث الإمام أبي الحسن رضي الله عنه، والذي سيجده بفضل الله، أمثل عون في رفع تحديات السؤالات الضخمة، التي يطرحها على الإنسان بإلحاح، هذا الانثيال التنظيري المعاصر الغزير، وما ذلك إلا لأن الإمام رحمه الله لأصالة مشربه، وناهج مسربه، قد هُدي إلى اختطاط أسلوب منهجي للاستبانة والإبانة في المضمار العقدي، حَريٍّ بالاستلهام من لدن أهل الملة، ليرفدهم بثَوابت منهجية تكون لهم نِعْم السند في بيان أسس العقيدة، أو النظر في التراث التصوري والاعتقادي الكوني، حسب قواعد التصحيح، والواقعية، والاعتدال، والتوسط، مما يؤهل للتعامل مع الذات والموضوع، بقدر من المرونة والانفتاح، في تمسك بثوابتنا، التي رصدنا عبر تاريخنا المديد، أنها لم تحل يوما دوننا ودون الإفادة من راشد العطاءات، ووظيفيّ المنجزات في المجالات العلمية والعملية.
لقد كان للإمام أبي الحسن أجزل الله مثوبته، سهم وافر في انتهاج سواد الأمة الأعظم، نهجا عقديـا موسومـا بالتوسط، محكوما باجتهاد  يؤلف في ثلاثية بديعة، بين النص والعقل من جهة، وبين النص والواقع من جهة ثانية، مما وطّن في الأمة لاستبطان مضامين عقدية مستمدة من هدي النبي المختار، ومدرسة صحابته الأبرار، في تمسك بالوسيطة والاتزان، وتجانف عن التعصّب والتشدّد، وفتحٍ لأبواب الرجاء أمام أهل الملة، للدخول جميعا في بحبوحة رحمة الله اللطيف الخبير بمن خلق ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّلطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك 15) مما رأب الصدع بين المذاهب الكلامية السنية، وفق قاعدة الواقعية والشمول.
وما كان لهذا الملف المبارك أن يخرج على هذا الوجه الرضيّ، وبهذا الطرح الزلال النقي، لولا الجهد المتواصل لرئيس مركز الإمام أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، الأستاذ البحاثة الدكتور جمال علال البختي، أجزل الله مثوبته ومثوبة كل من كان له عونا في هذا الفضل، كتابة وتحكيما وتصحيحا وترصيفا، وإخراجا وتصفيفا.
أسأل الله الجواد الكريم أن يكون هذا العدد الفاتح، بهذا العلم الناصح، ذي الفضل الطافح، والعلْم الراجح، أساسا ومقتعدا، لأعداد تأتي بعدهُ مَدداً، وتستمر مؤصِّلة لسليم المعتقد مُدداً، ومفرقة جموع الشبهات بِدَداً، ومثبتة لنهج الهدى والرشاد سَدَداً. آمين. آمين

 

والحمد لله رب العالمين.
أحمد عبادي
الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء